حراكٌ تركيّ على خطّ حارة حريك–واشنطن… هل تحقّق أنقرة خرقًا مستندةً إلى دورها الوسطي؟

زياد العسل - الحقيقة نيوز

في خضمّ الصراع المفتوح الجنوب، وفي ظلّ ضبابية تحيط بمآلات المواجهة وإمكان تحوّلها إلى محطة مفصلية تعيد رسم ملامح المنطقة، تتحرّك أنقرة على خطّ بالغ الحساسية، محاولةً توظيف موقعها الإقليمي وعلاقاتها المتشعبة لفتح نافذة سياسية بين حارة حريك وواشنطن.

الدور التركي الذي يبدو أنه يتقدّم بهدوء، لا ينفصل عن محاولة أنقرة تكريس نفسها لاعبًا قادرًا على التواصل مع أطراف متباعدة، وخصوصًا في الملفات المعقدة التي يصعب على طرف واحد احتكار مساراتها. ومن هنا، تبدو المساعي التركية متركزة على تهيئة مناخ يسمح بفتح قنوات حوار غير مباشرة، وربما تمهيد الطريق للقاء يجمع ممثلين عن الحزب والجانب الأميركي.

وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أن تركيا أخذت على عاتقها توفير المناخ الملائم لمثل هذا اللقاء، في وقت تبقى فيه مسألة السلاح والاستراتيجية الدفاعية من أبرز العقد التي تعترض أي حوار محتمل.
وكان القيادي في الحزب والوزير السابق محمود قماطي قد شدّد على أن حماية لبنان والمصلحة اللبنانية يمكن أن تجعلا أي نقاش مع أي جهة في العالم جديًا، باستثناء العلاقة أو التفاوض أو الحديث مع إسرائيل. وهو موقف يفتح، في المقابل، هامشًا أمام البحث في قنوات أخرى، خصوصًا إذا ما ارتبطت بمصلحة لبنان وبضمانات جدية.

وتستند أنقرة، في تحركها، إلى مجموعة أوراق سياسية وإقليمية، بينها موقعها داخل حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها المعقدة والمتشعبة مع واشنطن، إضافة إلى انفتاحها على قوى إقليمية مختلفة. وهو ما قد يمنحها هامشًا من “المونة” السياسية، ويسمح لها بالضغط باتجاه مقاربة أكثر مرونة للملف اللبناني.
في المقابل، تبدو الإدارة الأميركية متمسكة بمطلب تسليم سلاح الحزب قبل الانتقال إلى أي تفاوض جدي، وهو ما يرفضه الحزب بصورة واضحة. لكن في مقابل الرفض لمسألة نزع السلاح، ثمة استعداد، وفق المعطيات المتداولة، للبحث مع الدولة اللبنانية في استراتيجية وطنية للدفاع، بما يعني أن هامش التفاوض ليس معدومًا بالكامل.
وهنا تحديدًا يمكن أن تكمن مهمة الوسيط التركي: البحث عن مساحة مشتركة بين موقف أميركي يريد تغييرًا جذريًا في واقع السلاح، وموقف حزبي يرفض تسليم السلاح من خارج تسوية وطنية شاملة، مع إمكانية بناء مسار تدريجي يبدأ بالضمانات وينتهي ببحث الملفات الأكثر تعقيدًا.

ولا تبدو قطر بعيدة عن هذا الحراك. فالدولة الخليجية التي راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في الوساطات الإقليمية، تسعى بدورها إلى أن يكون اللقاء المرتقب على أرضها، في إطار مساعٍ عربية حثيثة للمساهمة في معالجة الملف اللبناني وإيجاد مخرج سياسي للأزمة المتراكمة.

وفي حال انعقاد مثل هذا اللقاء، قد يكون الحزب ممثلًا بشخصيات سياسية معنية بالملف، من بينها النائب السابق حسن فضل الله ومسؤول التواصل مع الدولة اللبنانية أحمد مهنّا، وفق ما يتردد في هذا السياق.

لكن السؤال الأوسع يبقى حول الموقف الأميركي وما تريده واشنطن فعليًا من أي مسار تفاوضي. فالأميركيون، وفق المعطيات، يريدون الوصول إلى حالة من “صفر مشاكل” في هذه البقعة من العالم، من خلال صيغة تتضمن ضمانات أمنية وسياسية، ولا سيما بالنسبة إلى الجنوب، بما يسمح بتثبيت ترتيبات طويلة الأمد تمنع العودة إلى دوامة الحرب.

ومن هنا، قد يبدأ البحث عن تصور جديد لمستقبل الجنوب، يقوم على ضمانات دولية وإقليمية، وعلى دور لبناني جامع في تثبيت أي تفاهم. وبعدها فقط يمكن الانتقال إلى التفاصيل الأكثر صعوبة، من شكل التسوية وآليات تنفيذها، إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل، وانعكاسات أي اتفاق على الملفات السياسية والاقتصادية اللبنانية.

تركيا، إذا نجحت في فتح هذه الكوة، لا تكون قد لعبت دور الوسيط فحسب، بل تكون قد دخلت لبنان من أحد أكثر أبوابه حساسية، أي بوابة التوازن بين المقاومة والغرب، وبين الحسابات الإقليمية والدولية.
فالنجاح في مهمة كهذه قد لا يعني مجرد ترتيب لقاء عابر، بل قد يضع أنقرة في موقع متقدم في إدارة واحدة من أعقد الأزمات اللبنانية، ويمنحها نفوذًا سياسيًا يتجاوز حدود الوساطة التقليدية.

السؤال يبقى: هل تستطيع تركيا فعلًا تحقيق الخرق الذي عجزت عنه قوى إقليمية ودولية أخرى؟ وهل تسمح اللحظة الإقليمية، بما تحمله من فراغ وتبدلات في مقاربة الملف اللبناني، لأنقرة بأن تفرض نفسها لاعبًا أساسيًا في رسم المرحلة المقبلة؟
أم أن الحراك التركي سيبقى في حدود اختبار النوايا، من دون أن يتمكن من تحويل الاتصالات إلى مسار تفاوضي قادر على إنتاج تسوية؟
في الحالتين، تبدو أنقرة أمام فرصة نادرة: أن تنتقل من موقع المتابع للتوازنات اللبنانية إلى موقع المؤثر فيها، مستفيدةً من شبكة علاقاتها الواسعة، ومن دورها الوسطي الذي تحاول منذ سنوات تثبيته في الإقليم.
وربما تكون اللحظة اللبنانية الحالية هي الاختبار الأكثر جدية لقدرة “أبناء أتاتورك” على لعب دور يتجاوز الجغرافيا التركية، ويصل إلى قلب واحدة من أكثر ساحات المنطقة تعقيدًا.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى