
الموضوع أصبح مؤخراً مثارَ جدل، وكأن وزارة المالية تستحدث ضريبة جديدة على أموال الموتى.
لكن، في الحقيقة، الأمر لا يتعلق بضريبة جديدة بالمعنى الدقيق.
فمن حيث المبدأ، هناك أصلًا رسم انتقال يُستوفى عند الوفاة، بعد إنجاز حصر الإرث وانتقال حقوق المتوفى إلى ورثته. وعندها تُفرض الضريبة المستحقة على الأموال والحقوق التي تنتقل إلى الورثة.
الجديد يرتبط بما صدر في كانون الأول/ديسمبر 2025 بموجب المرسوم رقم 2087، الذي وضع الأسس والإجراءات التي تعتمدها الإدارة الضريبية للحصول على معلومات كانت، في السابق، محمية بموجب السرية المصرفية.
أولًا: الأموال الموجودة في المصارف
ما الذي كان يحدث في السابق؟
عندما يتوفى شخص، ويتقدم الورثة بحصر الإرث إلى المصرف، كان المصرف، في بعض الحالات، يستطيع تسليم الأموال أو تحويلها إلى الورثة، من دون أن تكون وزارة المالية قد حصلت مسبقًا على المعلومات اللازمة لاستيفاء رسم الانتقال، بسبب القيود المرتبطة بالسرية المصرفية.
أي أن الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية كانت تتمتع، عمليًا، بحماية السرية المصرفية التي كانت تحول دون وصول الإدارة الضريبية إلى المعلومات المطلوبة لاحتساب الضريبة واستيفائها.
بعد صدور المرسوم، تغير هذا الأمر.
فلم يعد بإمكان المصارف، وفق الآلية الجديدة، أن تتعامل مع أموال المتوفى الموجودة لديها بمعزل عن وزارة المالية. وأصبح على الورثة، قبل الحصول على الأموال، استكمال الإجراءات الضريبية والحصول على الترخيص أو المستند المطلوب من وزارة المالية.
بمعنى آخر، لم تعد السرية المصرفية عائقًا أمام الإدارة الضريبية في استيفاء رسم الانتقال المتعلق بالأموال التي تنتقل إلى الورثة.
ثانيًا: الخزنات الحديدية في المصارف
وهنا تكمن إحدى النقاط الأكثر إثارة للاهتمام في المرسوم.
في السابق، كان بعض الأشخاص يستأجرون خزائن حديدية داخل المصارف لحفظ أموال أو مجوهرات أو مستندات أو مقتنيات ثمينة، حمايةً لها من السرقة أو الحريق أو غيرهما من المخاطر.
والمصرف، في الأصل، لا يكون على علم بمحتويات الخزنة. فدوره يقتصر على تأجير الخزنة وتأمين مكانها وحمايتها، فيما يدخل صاحبها إليها بصورة منفردة ويضع فيها ما يشاء أو يخرج منها ما يشاء، من دون أن يطّلع المصرف على المحتويات.
(لكن المرسوم الجديد شمل أيضاً الخزائن الحديدية ،التي كانت محمية سابقا ًبقانون السرية المصرفية .وبذلك فان المرسوم اصبح يطبق عليها ايضا ً.)
وبالتالي، عند وفاة صاحب الخزنة، لم يعد بإمكان الورثة ببساطة فتحها والاستيلاء على محتوياتها باعتبارها جزءًا من التركة، من دون المرور بالإجراءات الضريبية. بل أصبح الأمر مرتبطًا بوجوب التصريح عن محتويات الخزنة أمام الإدارة الضريبية، تمهيدًا لتحديد رسم الانتقال المستحق عليها.
وهنا تظهر المسألة الأهم: نحن لا نعرف أصلًا عدد الأشخاص الذين يستأجرون خزائن مصرفية اليوم ، ولا نعرف ما إذا كانت هذه الخزائن تحتوي على أموال نقدية أو مجوهرات أو موجودات أخرى ذات قيمة.
لكن من الناحية القانونية والضريبية، أصبحت هذه الموجودات، عند انتقالها إلى الورثة، داخلة ضمن نطاق التصريح والاحتساب الضريبي وفق الآلية الجديدة.
أما رسم الانتقال نفسه فليس جديداً ؛ فهو موجود أصلًا، وهو رسم تصاعدي يمكن أن يصل، بحسب الحالة، إلى 12% كحد أقصى.
لذلك، فإن الجديد ليس استحداث ضريبة على أموال المتوفى، وإنما توسيع قدرة الإدارة الضريبية على الوصول إلى الأموال والموجودات التي كانت، في السابق، بمنأى عن عملية التصريح والاحتساب بسبب السرية المصرفية، ولا سيما الأموال الموجودة في المصارف والخزائن الحديدية.
واللافت أن هذا الموضوع يُطرح اليوم وكأنه إجراء مستحدث، فيما أن المرسوم صدر أصلًا في كانون الأول/ديسمبر 2025.




