
يا لها من أيام مجيدة في تاريخ الإعلام العربي!
فبينما الجنوب يُذبح قررت بعض وسائل الإعلام أن تخوض معركة أكثر أهمية”حفل طلاق شروق ”
نعم، حفل طلاق وليس مؤتمرًا سياسيًا، ولا حدثًا إنسانيًا، ولا قضية وطنية…بل مناسبة شخصية تحوّلت، بقدرة إعلام «المتابعات» العجيبة، إلى حدث يستحق الاستنفار الإعلامي الكامل.
حيث أُشعلت المنصات، وبدأت التغطيات العاجلة: ماذا ارتدت؟ ماذا قالت؟ من حضر؟ كيف احتفلت؟ وما تفاصيل الحفل؟
وكيف ضربت بعرض الحائط قرار منع اقامة الحفل …
كان الاعلام مستنفراً وكأننا أمام توقيع اتفاقية سلام دولية، أو اكتشاف علاج للسرطان، أو تحرير ارضنا من الاحتلال…
أما الجنوب؟
آه، الجنوب… يبدو أنه لم يعد «ترندًا» بما يكفي.
هناك، أناس يفقدون فادات اكبادهم وأرزاقهم،ويعيشون تحت القصف والخوف، ويدفعون أثمانًا لا تُحتسب بعدد المشاهدات. لكن هذه التفاصيل المؤلمة لا تحقق، للأسف، «Reach» كحدث تافه كحفل طلاق شروق من زوجها الهارب من العادلة.
وهنا تحديدًا يظهر الإعلام الجائع إلى المشاهدات، ، حتى بات مستعدًا لتحويل أي تفصيل شخصي إلى قضية رأي عام، طالما أن الخوارزمية راضية عنه.
لم يعد السؤال هنا ما يحتاج الناس إلى معرفته؟
بل ما ذا سيجلب لنا المشاهدات.
وهكذا تحوّلت بعض وسائل الإعلام من سلطة رابعة إلى موظفة علاقات عامة لدى «الترند»، ومن ناقل للحقيقة إلى صياد للفضائح والغرائب، ومن مرآة للمجتمع إلى مرآة للخوارزمية….
والأكثر سخرية أن بعض هذه الوسائل تتحدث صباحًا عن الرسالة الإعلامية والمهنيةوأخلاقيات الصحافة…ثم تركض مساءً خلف تفاصيل طلاق شخصية معروفة وطليقها بتاريخهما غير المشرّف وكأن مصير الأمة متوقف على معرفة لون فستان صاحبة الحفل!
يا للهول فلون الفستان سيحرر ارضا وينعش اقتصادا ويحرك عجلة الحياة في الوطن…
يا حضرات الإعلاميين، لا أحد يمنعكم من تغطية حياة المشاهير، ولا من نقل أخبارهم، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح حفل طلاق أهم من وطن يُنزف، وعندما تصبح صورة عابرة أهم من صورة طفل يحمل ما تبقى من منزله.
نقول على الاعلام السلام.
المشكلة ليست في شروق ولا في طلاقها، ولا في احتفالها.
المشكلة في إعلام قرر أن يجعل من الحدث التافه قضية كبرى، بينما يتعامل مع المأساة الحقيقية وكأنها خبر عادي في أسفل الصفحة،هذا ليس إعلامًا مهنيًا،هذا إعلام يعيش على الأزمات الصغيرة، ويتغذى من الفضول، ويقيس نجاحه بعدد الأصابع التي تضغط على الشاشة.
للأسف لقد استطاعو أصحاب هذا النوع من الإعلام أن يجعلوا الطلاق أكثر جذبًا من القصف، والحفل أكثر أهمية من الجنوب، والترند أعلى قيمة من الإنسان.




