أمراض القلب والشرايين في لبنان والعالم عام 2026 (الجزء الثاني).. الموت القلبي المفاجئ عند الرياضيين: الأسباب، الكشف المبكر والوقاية

بقلم الدكتور طلال حمود

أولاً: واقع أمراض القلب والشرايين في لبنان والعالم عام 2026

لا تزال أمراض القلب والشرايين تحتل المرتبة الأولى بين أسباب الوفاة عالمياً. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تسبّبت بنحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي ما يُقارب 32% من مجموع الوفيّات في العالم، وكانت النوبات القلبية والسكتات الدماغية مسؤولة عن نحو 85% منها.

وفي لبنان، لا تزال أمراض الشرايين التاجية وارتفاع ضغط الدم والسكّري والسُمنة من أبرز المشكلات الصحية. وتُشير تقديرات المرصد العالمي للقلب إلى نحو 8405 وفيّات مُرتبطة بأمراض القلب والشرايين، استناداً إلى بيانات العبء العالمي للأمراض لعام 2021، وليس إلى سجلّ وطني مُباشر لعام 2026.

وتُساهم في تفاقم المشكلة عوامل عديدة، أبرزها التدخين والأرجيلة، والسكري والسُمنة، وقلّة النشاط البدني، والضغوط النفسية والمعيشية، وصعوبة الوصول المُنتظم إلى الفحوص والعلاجات الوقائية.

لذلك، لم يعد المطلوب الاكتفاء بمعالجة النوبات القلبية بعد حدوثها، بل التركيز على الوقاية والكشف المُبكر، وخصوصاً لدى الشباب والرياضيين والمصابين بالسكري.

ثانياً: الموت القلبي المُفاجئ عند الرياضيين

هو وفاة غير مُتوقّعة نتيجة مشكلة قلبية حادّة، غالباً بسبب اضطراب خطير في كهرباء القلب، مثل تسرّع القلب البطيني أو الرجفان البطيني، ما يؤدّي إلى توقّف الدورة الدموية.
وتكمن خطورته في أن الرياضي قد يبدو بصحة مُمتازة ويتمتّع بلياقة عالية، بينما يحمل مرضاً قلبياً وراثياً أو خلقياً أو كهربائياً لم يُكتشف سابقاً.

فالجهد البدني العنيف يرفع ضربات القلب وضغط الدمّ ويزيد حاجة عضلة القلب إلى الأوكسجين، وقد يُحفّز حدوث اضطراب خطير لدى شخص لديه استعداد مرضي.

لكن يجب التمييز بين التوقف القلبي المُفاجئ والموت القلبي المُفاجئ؛ فالتوقف القلبي يمكن إنقاذ المُصاب منه في كثير من الحالات إذا بدأ الإنعاش القلبي الرئوي واستُخدم جهاز إزالة الرجفان الكهربائي (AED : Automated External Defibrillator) بسرعة.

ثالثاً: ما الأسباب الأكثر شيوعاً بحسب العمر؟

تختلف الأسباب باختلاف العمر، مع اعتبار سن 35 عاماً حداً تقريبياً وليس فاصلاً مُطلقاً.
الرياضيون دون 35 عاماً:
تكون الأسباب غالباً وراثية أو خلقية أو كهربائية، وأهمها:
-اعتلال عضلة القلب التضخّمي.
-اعتلال عضلة القلب المُسبّب لاضطرابات النظم.
-التشوّهات الخلقية في منشأ ومسار الشرايين التاجية.
-الأمراض الكهربائية الوراثية، مثل متلازمة QT الطويلة ومتلازمة بروغادا ومتلازمة ال : Catecholaminergic Polymorphic Ventricular Tachycardia: CPVT
-التهاب عضلة القلب.
-بعض أمراض الصمامات واعتلالات عضلة القلب الأخرى.
ومن الأسباب الأقل شيوعاً الارتجاج القلبي (Commotio Cordis)، الذي قد يحدث نتيجة ضربة مُباشرة إلى الصدر في لحظة مُعيّنة من الدورة الكهربائية للقلب، فتؤدّي إلى رجفان بطيني حتى لدى شخص سليم القلب.
الرياضيون فوق 35 عاماً:
يُصبح مرض تصلّب الشرايين التاجيّة السبب الأهم، وقد تحدث جلطة قلبية أو اضطرابات خطيرة في نُظم القلب أثناء الجهد، خصوصاً عند وجود مرض السكّري والتدخين وارتفاع الضغط والكوليسترول والسمنة والتاريخ العائلي المرضي.

رابعاً: أمراض قلبية قد تكون صامتة عند الرياضي

اللياقة البدنية العالية لا تعني بالضرورة سلامة القلب. فقد يعاني الرياضي دون أعراض واضحة من:
اعتلال عضلة القلب التضخّمي أو المُسبّب لاضطرابات النظم.
تشوّهات الشرايين التاجيّة الخلقية.
اضطرابات كهرباء القلب الوراثية.
تليّف وندبات عضلة القلب بعد التهاب سابق.
تضيق الشرايين التاجية، خصوصاً لدى المُصابين بالسكّري والمدخنين.
بعض أمراض الصمامات وتوسّع الشريان الأبهر.

وقد لا تظهر هذه الأمراض في الفحص السريري العادي، بل تحتاج إلى تقييم يتضمّن التاريخ المرضي والعائلي والفحوص المناسبة.

خامساً: العلامات التحذيرية التي لا يجوز تجاهلها

أهم الأعراض التي تستوجب التوقف عن التدريب والتقييم الطبي:
ألم أو ضغط في الصدر أثناء الجهد.
الإغماء أو فقدان الوعي خلال الرياضة.
دوخة شديدة أو شعور بقرب الإغماء.
خفقان سريع أو غير مُنتظم، خصوصاً مع الدوخة.
ضيق نفس غير مُتناسب مع شدّة التمرين.
تراجع مفاجئ وغير مُفسّر في القدرة على التحمّل.
تعب غير مُعتاد بعد عدوى فيروسية.
وجود تاريخ عائلي لوفيّات قلبية مُفاجئة في سِنّ مُبكرة.
ويُعدّ الإغماء أثناء الجهد من أخطر العلامات التحذيرية، ولا يجوز اعتباره مجرّد إرهاق قبل استبعاد الأسباب القلبية.

سادساً: هل يجب أن يخضع كل رياضي لتخطيط القلب والتصوير الصوتي للقلبي؟

يبدأ التقييم بتاريخ مرضي شخصي وعائلي دقيق، وفحص سريري وقياس ضغط الدم.
تخطيط القلب ECG: يُساعد في اكتشاف اضطرابات كهرباء القلب وبعض اعتلالات عضلة القلب. ويُمكن إدراجه ضمن برامج فحص الرياضيين التنافسيين، شرط أن يفسّره طبيب مُتمرّس بتغيرات التخطيط الطبيعية لدى الرياضيين.
التصوير الصوتي للقلب Echocardiography: وهو يُقيّم سماكة عضلة القلب وحجم الحُجرات وقوّة الضخّ والصمّامات والأبهر وبعض التشوهات الخلقية.

لكن لا ضرورة لإجراء التصوير الصوتي للقلب روتينياً لكل رياضي سليم دون أعراض أو مُؤشّرات مرضية. كما أن التخطيط والتصوير الصوتي للقلب الطبيعيين لا يستبعدان جميع الأمراض القلبية ولا يضمنان منع الموت المفاجئ.

سابعاً: متى نحتاج إلى الفحوص القلبية المتقدمة؟

نختار الفحص بحسب الأعراض والاشتباه السريري:
اختبار الجهد Exercise Test: عند وجود ألم صدري أو أعراض مُرتبطة بالتدريب أو الاشتباه بنقص تروية القلب واضطرابات النظم أثناء الجهد.
ويجب اجراء تخطيط القلب على ٢٤ ساعة Holter EkG، عند وجود خفقان مُتكرّر أو دوخة أو إغماء أو اشتباه باضطرابات نُظم مُتقطّعة.

كذلك يجب استعمال تصوير القلب بالرنين المغناطيسي للقلب Cardiac MRI: وذلك عند الاشتباه بوجود التهاب في عضلة القلب أو اعتلال عضلة القلب الوراثي أو وجود تليّف وندبات قلبية.

التصوير الطبقي للشرايين التاجية Coro Scanner : وذلك عند الاشتباه بوجود تشوّهات خلقية في الشرايين أو بتضيّق وتصلّب في الشرايين التاجية للقلب، خصوصاً لدى الرياضيين الأكبر سناً.

ويجب أن يُحدّد طبيب القلب الفحص المُناسب لكل حالة، وليس لمجرد أن الشخص يمارس الرياضة.

ثامناً: التهاب عضلة القلب (Myocarditis)والعودة إلى الرياضة

يُعدّ التهاب عضلة القلب من الحالات المُهمّة، خصوصاً بعد بعض الالتهابات الفيروسية.
وقد تختفي أعراض العدوى بينما يستمرّ الالتهاب أو الوذمة أو التليّف في عضلة القلب، ما قد يهيئ لاضطرابات نظم خطيرة أثناء التدريب العنيف.
ويشمل التقييم، بحسب الحالة، تخطيط القلب وفحص أونزيمات القلب (التروبونين: Troponin) والتصوير الصوتي القلبي والرنين المغناطيسي.

أما العودة إلى الرياضة فلا تعتمد على مرور الوقت فقط، بل على زوال الأعراض والالتهاب، واستقرار وظيفة القلب، وعدم وجود اضطرابات نظم مهمة.
وتسمح التوصيات الأميركية لعام 2025 بالنظر في عودة بعض الرياضيين ذوي وظيفة البطين الطبيعية بعد 4 إلى 6 أسابيع من زوال الأعراض، بشرط زوال الالتهاب وعدم وجود اضطرابات نظم مُهمّة في المُراقبة واختبار الجهد.

أما الحالات التي ترافقت مع ضعف وظيفة البطين فتحتاج عادة إلى ثلاثة أشهر على الأقل، مع استعادة وظيفة القلب الطبيعية وزوال الالتهاب وعدم وجود اضطرابات نظم مُهمّة. وتبقى العودة قراراً فردياً يُحدّده طبيب القلب.

تاسعاً: التدخين والمُنشّطات والمُخدّرات والجفاف والحرارة والمُكمّلات الغذائية

هناك عوامل قد تزيد خطر المُضاعفات القلبية أثناء الرياضة:
-التدخين والأرجيلة: يسرّعان تصلّب الشرايين ويرفعان ضغط الدم ويزيدان خطر الجلطات.
المُنشّطات البنائية: قد تُسبّب تضخّم عضلة القلب وتوسّيع وتضخّم الشرايين التاجيّة للقلب وارتفاع الضغط واضطراب الدهون وزيادة خطر اضطرابات النظم والجلطات.

-المُخدّرات: خصوصاً الكوكايين والأمفيتامينات، وقد تؤدي إلى تضيّق الشرايين واضطرابات كهربائية خطيرة.
-مشروبات الطاقة والمُكمّلات الغذائية : إنّ بعض مستحضرات ما قبل التدريب تحتوي على جرعات مُرتفعة من الكافيين وألمُنبّهات، وقد تُسبّب الخفقان وارتفاع الضغط واضطرابات النظم، خصوصاً لدى الأشخاص المُعرّضين لذلك.
-الجفاف والحرارة الشديدة: يزيدان العبء على القلب ويسبًبان اضطراب السوائل والأملاح والإجهاد الحراري، وقد يصل الأمر إلى ضربة الحرارة، وهي حالة طبية طارئة.

لذلك يجب تجنب التدريب العنيف في الظروف المناخيّة غير المُناسبة، وتأمين الترطيب والراحة، والابتعاد عن التدخين والمُنشّطات والمُخدّرات والمُكمّلات الغذائية مجهولة التركيب.

عاشراً: كيف نحمي الرياضيين في الأندية والملاعب والمدارس والجامعات؟

الكشف الطبي مهّم جداً، لكنه لا يمنع جميع حالات التوقّف القلبي المُفاجئ. لذلك يجب اعتماد خطة إنقاذ عملية في كل منشأة رياضية، تتضمن:
فحصاً طبياً قبل المُشاركة الرياضية، يشمل التاريخ المرضي والعائلي والفحص السريري.
توفير جهاز إزالة الرجفان الكهربائي AED : Automated External Defibrillator بسرعة
في مكان واضح وسهل الوصول، بحيث يُمكن إحضاره إلى المُصاب خلال أقلّ من ثلاث دقائق قدر الإمكان.
تدريب المُدرّبين والإداريين والمُشرفين على الإنعاش القلبي الرئوي CPR واستخدام الجهاز.
وضع خطة طوارئ مكتوبة تُحدّد المسؤوليات وآلية الاتصال بالإسعاف وإحضار الجهاز.
إجراء تدريبات مُحاكاة دورية للتأكد من سرعة الاستجابة.

منع الرياضي من مواصلة التدريب عند ظهور أعراض تحذيرية قبل تقييمه طبياً.
مراقبة الحرارة والرطوبة في مكان التدريب وتأمين الماء والراحة المناسبة.
ويجب ألا تقتصر هذه الإجراءات على الأندية المُحترفة، بل ينبغي تطبيقها تدريجياً في المدارس والجامعات والملاعب اللبنانية.

الحادي عشر: ماذا نفعل عند حدوث توقف قلبي مفاجئ؟

إذا سقط الرياضي فجأة وفقد الوعي ولم يستجب، ولا يتنفّس بصورة طبيعية أو كان تنفًسه مُجرّد شهقات مُتقطّعة، يجب التعامل مع الحالة باعتبارها توقّفاً قلبياً.

خطوات الإنقاذ الأساسية:

طلب الإسعاف فوراً وإحضار جهاز ال AED : Automated External Defibrillator بسرعة.
البدء بالإنعاش القلبي الرئوي دون تأخير.
إجراء ضغطات صدرية في منتصف الصدر بمُعدّل 100–120 ضغطة في الدقيقة، وبعُمق 5–6 سنتيمترات لدى البالغين.
إذا كان المُسعف مُدرباً، يُعطي 30 ضغطة تتبعها نفختان إنقاذيتان في الرئتين؛ ويجب ان لا يبدأ بالضغطات الصدرية المُتواصلة بشكل عشوائي.
تشغيل جهاز AED ووضع اللاصقات واتّباع تعليماته الصوتية.
إعطاء الصدمة إذا أوصى الجهاز بذلك، ثم استئناف الضغطات فوراً.
مُتابعة الإنعاش حتى وصول الإسعاف أو إستعادة المُصاب علامات الحياة الطبيعية.
إن الدقائق الأولى حاسمة جداً، وكلما بدأ الإنعاش واستخدام جهاز إزالة الرجفان بسرعة ازدادت فرص النجاة.
ولا يحتاج استخدام ال AED إلى طبيب مُتخصّص، فهو يُحلّل نظم القلب ويُحدّد ما إذا كانت الصدمة الكهربائية ضرورية، ويعطي تعليمات صوتية واضحة للمُسعفين.

الخلاصة: نحو رياضة أكثر أماناً ومجتمع قادر على إنقاذ الحياة

إن الموت القلبي المُفاجئ عند الرياضيين مأساة يُمكن الحدّ من آثارها من خلال الكشف المُبكر، والتوعية بالأعراض التحذيرية، والتقييم الطبي المُناسب، والابتعاد عن التدخين والمُنشّطات والمُخدّرات، والأهم تأمين أجهزة إزالة الرجفان البطيني والتدريب على الإنعاش القلبي الرئوي.
ولا ينبغي أن نخوّف الشباب من الرياضة، فهي من أفضل الوسائل لحماية القلب والوقاية من مرض السكّري والسمنة وارتفاع ضغط الدم.
لكن علينا ترسيخ مفهوم الرياضة الآمنة، وجعل الفحص الطبي والوقاية والاستعداد للطوارئ جزءاً أساسياً من ثقافة الأندية والمدارس والجامعات والاتحادات الرياضية.
ويجب أن نعلم أن توفير جهاز ال AED وتدريب المدربين والمشرفين على استخدامه يجب أن يُصبحا من الشروط الأساسية في كل مُنشأة رياضية في لبنان، مع إطلاق برنامج وطني للتوعية والوقاية من الموت القلبي المفاجئ.
هدفنا ليس أن نخاف من الرياضة، بل أن نُمارسها بوعي، وأن نكون قادرين على إنقاذ حياة رياضي قد يتعرّض لتوقّف قلبي مُفاجئ أمام أعيننا.
فالوقاية تبدأ بالمعرفة والكشف المُبكر، أما إنقاذ الحياة فيبدأ بالتصرّف الصحيح خلال الدقائق الأولى لحدوث ذلك أمام أعيننا.

الدكتور طلال حمود
طبيب مُتخصّص في أمراض القلب والشرايين والقسطرة وتوسيع الشرايين
امراض القلب عند الرياضيين وعند المُصابين بمرض السكّري
خريج جامعات فرنسا وكندا

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى