راشد شاتيلا : تايوان وبحر الصين الجنوبي حيث تُرسم خريطة القوة الجديدة

بقلم: راشد شاتيلا

لم تعد خريطة القوة في العالم تُرسم بالطريقة التي عرفها القرن العشرون. ففي الماضي، كانت قوة الدول تُقاس إلى حد كبير بحجم جيوشها، ومساحاتها الجغرافية، واحتياطاتها النفطية، وقدرتها على السيطرة على الموانئ والممرات الاستراتيجية. أما اليوم، فقد أصبحت القوة أكثر تعقيدًا: إنها مزيج من التكنولوجيا والطاقة والتجارة والبيانات وسلاسل الإمداد والقدرة على إنتاج الحوسبة المتقدمة.

وفي قلب هذا التحول تبرز تايوان وبحر الصين الجنوبي.

قد تبدو تايوان، جغرافيًا، جزيرة صغيرة في شرق آسيا، لكن موقعها ودورها في صناعة أشباه الموصلات وضعاها عند نقطة تتقاطع فيها مصالح اقتصادية وتكنولوجية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة. أما بحر الصين الجنوبي، فلم يعد مجرد مساحة بحرية متنازع عليها، بل أصبح أحد الشرايين التي تتحرك عبرها أجزاء أساسية من التجارة العالمية.

لهذا يمكن النظر إلى المنطقة باعتبارها واحدة من أكثر الأماكن التي تختبر شكل القوة في القرن الحادي والعشرين.

البحر الذي يحمل الاقتصاد العالمي

تكمن أهمية بحر الصين الجنوبي أولًا في موقعه داخل شبكة التجارة الدولية.

وفق تحليل حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، مرّت عبر الممرات الثمانية الرئيسية المرتبطة ببحر الصين الجنوبي سلع بقيمة تقارب 6.4 تريليون دولار عام 2024. كما مر عبر مضيق ملقا ومضيق تايوان أكثر من 2.4 تريليون دولار من السلع عبر كل منهما.

هذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت الجغرافيا البحرية جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي.

السفن التي تعبر هذه الممرات لا تحمل بضائع جاهزة فقط، بل تنقل النفط والغاز والمواد الأولية والمكونات الصناعية والإلكترونيات والغذاء. ولذلك فإن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة يمكن أن يتجاوز حدود الدول المطلة على البحر، ويصل إلى تكاليف النقل والتأمين والإنتاج والأسواق وسلاسل التوريد في مناطق بعيدة.

بمعنى آخر، من يملك القدرة على حماية الممرات البحرية لا يملك التجارة العالمية، لكنه يمتلك قدرة مؤثرة على استقرارها.

تايوان: عندما تصبح الرقاقة قوة استراتيجية

إذا كان بحر الصين الجنوبي أحد شرايين التجارة، فإن تايوان تمثل إحدى أهم العقد التكنولوجية في الاقتصاد العالمي.

وفق وزارة التجارة الأميركية، تستحوذ تايوان على أكثر من 60% من إيرادات تصنيع الرقائق عالميًا، وأكثر من 90% من تصنيع الرقائق المتقدمة. كما تجاوزت إيرادات قطاع أشباه الموصلات التايواني 165 مليار دولار عام 2024.

وهذه الصناعة ليست قطاعًا اقتصاديًا عاديًا.

فالرقائق المتقدمة أصبحت أساسًا للهواتف الذكية والسيارات الحديثة ومراكز البيانات والحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي والعديد من الأنظمة الصناعية.

هنا يتغير مفهوم القوة.

في القرن العشرين كان النفط أحد أهم رموز القوة الاقتصادية والاستراتيجية. أما في القرن الحادي والعشرين، فإن القدرة على إنتاج الرقائق التي تشغّل الحوسبة المتقدمة أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية في بعض القطاعات عن الموارد التقليدية.

ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية تايوان في حجمها، بل في المكان الذي تحتله داخل البنية التكنولوجية للعالم.

مضيق تايوان: الجغرافيا التي تتحول إلى اقتصاد

تزداد حساسية تايوان بسبب ارتباطها بممر بحري بالغ الأهمية.

تشير بيانات CSIS إلى أن أكثر من 2.4 تريليون دولار من السلع عبرت مضيق تايوان عام 2024، كما مر عبره نحو 33% من واردات الصين و16% من صادراتها.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة أساسية: المنطقة التي تكتسب أهمية استراتيجية بسبب موقعها هي نفسها جزء من شبكة اقتصادية تعتمد عليها أطراف متعددة.

فالصين تعتمد على التجارة البحرية، كما تعتمد اقتصادات آسيوية أخرى على المضيق والممرات المحيطة به. وهذا يعني أن أي اضطراب كبير لن يكون بالضرورة معادلة بسيطة بين طرف رابح وآخر خاسر، بل يمكن أن ينتج عنه أثر اقتصادي أوسع.

ولهذا فإن أهمية تايوان لا ترتبط فقط بالسؤال السياسي حول مستقبلها، بل أيضًا بالسؤال الاقتصادي حول مستقبل أحد الممرات التي يعتمد عليها الاقتصاد الآسيوي والعالمي.

خلف الرقاقة: الطاقة وسلاسل الإمداد

غالبًا ما يتم اختزال أهمية تايوان في مصانع أشباه الموصلات، لكن الرقاقة نفسها ليست إلا نتيجة لمنظومة هائلة.

مصانع الرقائق تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومياه، ومواد متخصصة، ومعدات شديدة التعقيد، ومهندسين، وموانئ، وشبكات نقل، وسلاسل إمداد عالمية.

والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات، ومراكز البيانات تحتاج إلى الطاقة، والطاقة تحتاج إلى بنية تحتية، والحوسبة تحتاج إلى رقائق.

وهكذا تتصل العناصر ببعضها:

الطاقة تحتاج إلى طرق آمنة ،
 والصناعة تحتاج إلى تجارة،
والتجارة تحتاج إلى ممرات بحرية ،
 والحوسبة تحتاج إلى رقائق ،
 والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الحوسبة.

إنها شبكة واحدة، وليس مجموعة ملفات منفصلة.

وهنا يكمن التحول الأكبر في مفهوم القوة: القوة الحديثة أصبحت قدرة على الحفاظ على الشبكات التي تجعل الاقتصاد يعمل.

تايوان بين الولايات المتحدة والصين

لا يمكن فهم أهمية الجزيرة بعيدًا عن التنافس الاستراتيجي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.

لكن اختزال قضية تايوان في مواجهة ثنائية فقط قد يكون غير كافٍ. فاليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وغيرها من دول المنطقة ترتبط بالممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتجارة التي تمر عبر هذه المنطقة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت أشباه الموصلات جزءًا من المنافسة التكنولوجية الدولية، مع سعي الدول إلى حماية قدراتها الصناعية وتقليل نقاط الضعف في سلاسل التوريد.

وهكذا تحولت الرقاقة من منتج اقتصادي إلى عنصر في الأمن الاقتصادي والاستراتيجي.

لكن المفارقة أن ارتفاع أهمية التكنولوجيا والتجارة يزيد أيضًا من تكلفة أي اضطراب واسع. فكلما ازدادت الدول والشركات اعتمادًا على هذه الشبكات، أصبح استقرارها مصلحة مشتركة، حتى بين أطراف تختلف سياسيًا واستراتيجيًا.

هل ستكون المعركة في البحر أم في التكنولوجيا؟

ربما يكون السؤال بصيغته الحالية مضللًا.

فالمنافسة المستقبلية قد لا تكون في البحر وحده، ولا في المصانع وحدها. إنها قد تكون في القدرة على الجمع بين الاثنين.

الممرات البحرية توفر الطاقة والمواد والأسواق. والتكنولوجيا توفر الرقائق والحوسبة والذكاء الاصطناعي. والطاقة تشغّل المصانع ومراكز البيانات. وسلاسل الإمداد تربط كل هذه العناصر ببعضها.

لذلك، إذا استخدمنا كلمة «المعركة» بمعناها الاستراتيجي الواسع، فإن المعركة الحقيقية قد تكون على استمرارية هذه الشبكة وقدرة كل طرف على حمايتها والتأثير فيها.

وهذا لا يعني أن مواجهة عسكرية حتمية، بل على العكس؛ فإن حجم الترابط الاقتصادي يوضح لماذا يشكل الحفاظ على الاستقرار وإدارة الأزمات ومنع سوء التقدير أهمية تتجاوز أطراف النزاع نفسها.

من يسيطر على تايوان هل يحكم العالم؟

النظام الدولي لا يمتلك مفتاحًا واحدًا. القوة موزعة بين اقتصادات كبرى، وموارد الطاقة، والأسواق، والتكنولوجيا، والتحالفات، والقدرات العسكرية، والمؤسسات الدولية.

لكن العبارة تصبح أكثر دقة إذا فهمنا «الحكم» باعتباره القدرة على التأثير في بعض مفاتيح النظام العالمي.

تايوان تجمع في مساحة محدودة بين موقع جغرافي حساس وصناعة متقدمة لأشباه الموصلات وارتباط واسع بالتجارة العالمية. ولهذا فإن مستقبلها يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الجزيرة نفسها.

إنها ليست العالم، لكنها تقع عند واحدة من أهم عقده.

من يمتلك مفاتيح المستقبل؟

قد تكون أهمية تايوان الأعمق أنها تكشف طبيعة القوة في العصر القادم.

لم يعد السؤال فقط: من يملك الأرض؟

بل أصبح:

من يملك الطاقة التي تشغل الاقتصاد؟

من يؤمّن الممرات التي تنقل التجارة؟

من ينتج الرقائق التي تشغّل الحوسبة؟

من يمتلك القدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي؟

ومن يستطيع الحفاظ على سلاسل الإمداد التي تربط كل ذلك؟

لهذا فإن تايوان وبحر الصين الجنوبي يمثلان أكثر من قضية إقليمية. إنهما اختبار لنظام عالمي يتغير أمام أعيننا.

وقد تكون العبارة الأدق من «من يسيطر على تايوان سيحكم العالم» هي أن من يستطيع التأثير في تايوان، والممرات البحرية المحيطة بها، وصناعة الرقائق المتقدمة، سيملك قدرة استثنائية على التأثير في شكل الاقتصاد والتكنولوجيا العالمية.

في النهاية، ليست المسألة جزيرة في بحر، ولا رقائق داخل مصانع.

إنها قصة انتقال العالم من قوة الأرض وحدها إلى قوة الشبكات.

ومن النفط إلى الرقاقة.

ومن الميناء إلى مركز البيانات.

ومن السيطرة على الموارد إلى القدرة على تشغيل المستقبل.

وربما لهذا السبب تحديدًا، أصبحت تايوان واحدة من الأماكن التي لا يختبر فيها العالم مستقبل آسيا فقط، بل يختبر فيها تعريف القوة نفسه.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى