ست سنوات على فاجعة المرفأ: عن شعبٍ ينتظر الحقيقة ودولةٍ تتهرب من الحساب

محمد حلاوي

ليست جريمة مرفأ بيروت مجرد ملفٍ مركون في أدراج المحاكم، ولا ذكرةً سنويةً نُحييها ببيانات التعزية ورفع الصور. فالرابع من آب/أغسطس لم يكن يوماً عابراً في تاريخ لبنان، بل كان اللحظة التي انكسر فيها شيءٌ أعمق من العمران: انكسرت ثقة المواطن بدولته، وجُرحت كرامته الإنسانية في أقدس ما يملك: أمانه وحياته.

بعد ست سنوات على تلك الفاجعة التي زلزلت العاصمة وخلّفت جراحاً لا تندمل في كل بيت، يتضح أن المعركة لم تعد مجرد نزاع على أوراق تحقيقيّة، بل هي معركة سياسية وأخلاقية بين منطقين: منطق دولة تتهرب من المسؤولية، وشعبٍ يرفض أن تُسلب منه الحقيقة.

وجع الضحايا في مواجهة الملاعيب السياسية

أصعب ما في جريمة المرفأ ليس فقط لحظة الانفجار وما خلفته من دموع وشهداء وجرحى، بل هذا الاستنزاف النفسي المتمادي الذي عاشه أهالي الضحايا واللبنانيون طوال سنوات. لقد شاهد الجميع كيف تحولت العدالة إلى ساحة كباش سياسي، وكيف أُحيط التحقيق العدلي بجدار من العرقلة والضغط والتسييس.

لقد استُخدمت الثغرات القانونية والمناورات الإجرائية لا لحماية الحقوق، بل للالتفاف على العدالة وتأجيل لحظة الحقيقة. وكان هذا السلوك السياسي بمثابة “انفجار ثانٍ” يستهدف أرواح الضحايا ووجع ذويهم، ليرسخ قناعة لدى الناس بأن السلطة تخشى الحقيقة وتخشى المحاسبة.

 

صمود القضاء: عندما تصبح الحقيقة ملاذاً إنسانياً

وسط هذا المناخ الضاغط، لم تكن استمرارية التحقيق مجرد إجراء قضائي روتيني، بل كانت خط الدفاع الأخير عن مفهوم العدالة في لبنان. إن إصرار المحقق العدلي على بناء ملفٍ متماسك، ودعم تحقيقاته بقرائن موثوقة وتقارير دولية، يعكس درايةً بأن القضية أكبر من مجرد قرار سريع.

فالمطلوب ليس إصدار أحكام لتهدئة الشارع، بل الوصول إلى حقيقة صلبة لا تقبل الشك، حتى لا تُسقطها التوازنات السياسية لاحقاً. فالعدالة الحقيقية هي التي تضمن للأمهات والآباء والأبناء ألا تضيع دماء أحبائهم في زواريب التسويات.

أمل سياسي مشروط بالإصلاح الوجداني والمؤسسي

إن المناخ السياسي الصادر مع العهد الجديد—بين انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وتشكيل الحكومة برئاسة القاضي نواف سلام—حمل معه إشارات إيجابية ونوايا رسمية لإعادة إحياء هذا الملف الوطني وإحالة القرار الظني إلى المجلس العدلي.

لكن النوايا السياسية، مهما كانت صادقة، ستبقى بلا روح ما لم تُترجم إلى فعل إنساني ومؤسسي حقيقي. إن العهد الجديد أمام امتحان إنساني قبل أن يكون سياسياً: هل يستطيع أن يبرهن للبنانيين أن زمن إفلات الكبار من العقاب قد انتهى؟

خلاصة القول، أثبتت المأساة أن المماطلة وترك الوقت يمر دون سقف زمني محدد ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو أداة لقتل القضايا الإنسانية الكبرى وراهنٍ على نسيان الناس. لكن ذاكرة الشعوب لا تنسى.

إن الامتحان الأخير لكرامة الدولة

بعد ست سنوات، لن يُقاس نجاح الدولة أو القضاء بعدد الصفحات في التقرير القضائي، بل بقدرته على إحداث قطيعة مع مرحلة الإفلات من العقاب.

إن دماء ضحايا المرفأ ودموع عائلاتهم ليست ملفاً يُطوى بإصدار حكمٍ شكلي، بل هي بوصلة إنسانية تفرض على الدولة إثبات وجودها وشرعيتها الأخلاقية. إحالة الملف للمحاكمة ليست نهاية الطريق، بل هي البداية الحقيقية لاستعادة وطنٍ يُحترم فيه الإنسان، وتُصان فيه الحقيقة، وتُسترد فيه العدالة المخطوفة.

تنويه: كتبتُ هذا التحليل السياسي المنطلق من البعد الإنساني للفاجعة، بالاستعانة باستشارة قانونية متخصصة أتاحت لي فهم خلفيات المسار القضائي وثغراته، فلهم جزيل الشكر والتقدير.

 

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى