إليسا… صوتٌ يسكن القلب، وامرأةٌ علّمتنا أن نركض خلف أحلامنا..

هناك أصوات نسمعها، وهناك أصوات تسكننا. أصوات تمرّ في آذاننا وتنتهي مع آخر نغمة، وأصوات أخرى تعبر الأذن لتستقرّ في مكان أعمق بكثير، في القلب، حيث تختبئ الذكريات، وتنام الحكايات، وتنتظر المشاعر لحظةً توقظها فيها أغنية.
وإليسا واحدة من تلك الأصوات النادرة التي لا تكتفي بأن تغنّي لنا، بل تجعلنا نعيش من جديد.
في عيد ميلادها، لا أريد أن أكتب عن نجمة لبنانية استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً متقدّماً في عالم الغناء العربي فحسب، بل عن امرأة صنعت من إحساسها هوية، ومن صوتها لغةً عابرة للحدود، ومن تجاربها الصعبة جسراً تعبر عليه إلى قلوب الملايين.
إليسا ليست مجرّد صوت جميل. إنها حالة وجدانية كاملة. حين تبدأ بالغناء، يحدث شيء غريب: تتوقّف عمّا كنت تفعله، وتصغي، ثم تجد نفسك تعود إلى الوراء. تستحضر وجوهاً غابت، وأماكن تغيّرت، وحبّاً عاش فيك طويلاً، ولقاءً تتمنّى لو يتكرّر، وجرحاً ظننت أنّ الزمن قد شفاه.
فجأة، لا تعود الأغنية أغنيتها وحدها؛ تصبح قصتك أنت، وذاكرتك أنت، وبعضاً من حياتك التي لم تستطع يوماً أن ترويها كاملة.
هذه هي موهبة إليسا الحقيقية: أن تغنّي قصتها، فتكتشف أنّها تغنّي قصتك أنت أيضاً.
رفيقتي في السيارة… وذاكرتي التي توقظها الأغنيات
أعترف، بصفتي إعلامياً عاش سنوات طويلة مع الكلمة والصورة والصوت، أنّ إليسا بالنسبة إليّ ليست مجرّد فنانة أستمع إليها من وقت إلى آخر. إنها رفيقتي في السيارة.
صوتها يرافقني في الطريق، لكنّه لا يبقى في الطريق؛ يأتي معي إلى البيت، ويوقظ في داخلي حنيناً إلى ذكريات حلوة ومرّة، إلى أشخاص أحببتهم، وإلى لحظات تركت بصمتها في حياتي.
كم من مرّة استمعت إلى «مكتوبة ليك»، أو «حالة حب»، أو «أواخر الشتا»، أو «يا ريت»، فوجدت نفسي أعود إلى لحظة من الماضي، وكأنّ الأغنية تعرف الطريق إلى مكان في داخلي لا يعرفه أحد!
وكم من مرّة حملتني «عكس اللي شايفينها» إلى التأمّل في المسافة بين الصورة التي يراها الناس فينا، والحقيقة التي نخفيها خلف ابتسامتنا!
أما «أسعد واحدة»، فتذكّرنا بأنّ الفرح يستحقّ أن نعيشه، فيما تعيدنا «إلى كلّ اللي بيحبّوني» إلى قيمة الحياة، وإلى الأشخاص الذين يمنحوننا أسباباً إضافية للتمسّك بها.
هذه الأغنيات ليست مجرّد عناوين ناجحة في مسيرة فنانة؛ إنّها محطّات وجدانية ارتبطت بذكريات ملايين الناس. لكلّ مستمع قصّته مع أغنية، ولكلّ أغنية باب تفتحه في الذاكرة.
وكم هو جميل أن يملك فنان هذه القدرة! أن يصبح جزءاً من يومك من دون أن يراك، وأن يشاركك لحظاتك من دون أن يعرف تفاصيلها، وأن يوقظ فيك إحساساً كنت تعتقد أنّه نام إلى الأبد.
إليسا، بالنسبة إليّ، ليست صوتاً أستمع إليه فحسب؛ إنّها رفيقة طريق، ورفيقة حنين، ورفيقة ذكريات لا يمحوها الزمن.
حين يصبح الفنّ موقفاً إنسانياً
قد يظنّ البعض أنّ إليسا نجمة أغنيات الحبّ والفراق فحسب، لكنّ التمعّن في مسيرتها يكشف عن فنانة اقتربت من قضايا إنسانية مؤلمة، واستخدمت شهرتها لتقول ما قد يصعب على كثيرين قوله.
في أغنيات مثل «من غير مناسبة» و«أنا نفسي» و«يا مرايتي»، تناولت إليسا جوانب من معاناة المرأة، بما فيها العنف الأسري والتحكّم والألم النفسي. لم تكن المرأة في هذه الأعمال مجرّد شخصية حزينة في حكاية عاطفية، بل إنسانة تواجه واقعاً قاسياً، وتحتاج إلى استعادة صوتها وكرامتها وحقّها في حياة آمنة. وقد حمل الفيديو المصوّر لأغنية «يا مرايتي» رسالة واضحة ضدّ العنف المنزلي، داعياً المرأة إلى كسر الصمت ورفض الاستسلام للأذى.
وفي عام 2018، اتّخذت علاقتها بالجمهور بُعداً إنسانياً استثنائياً عندما كشفت، عبر عملها «إلى كلّ اللي بيحبّوني»، عن معركتها مع سرطان الثدي. حوّلت تجربتها الشخصية إلى رسالة توعية شجّعت النساء على إجراء الكشف المبكر وعدم إهمال صحّتهنّ.
هنا تحديداً تكبر إليسا في عينيّ: حين تتحوّل التجربة الشخصية إلى منفعة عامة، وحين يصبح الألم الذي عاشته امرأة سبباً في زيادة الوعي لدى نساء أخريات.
لقد غنّت إليسا للحبّ والوفاء والخيانة والفراق، وللخذلان الذي يترك في القلب ندوباً، وللأمل الذي يساعدنا على النهوض بعد الانكسار. وفي أعمالها أيضاً مساحات للتعبير عن القلق والوحدة والحنين، وهي مشاعر لا تعرف حدوداً جغرافية أو اجتماعية.
إنّها تعرف كيف تجعل الأغنية مساحةً آمنة للمشاعر، وكيف تمنح الإنسان فرصة ليقول من خلالها ما عجز عن قوله مباشرة.
وهذه، في رأيي، إحدى أهمّ وظائف الفنّ: أن يجعلنا أكثر قدرة على فهم أنفسنا والآخرين، وأن يذكّرنا بأنّنا، مهما اختلفت حكاياتنا، نتشارك الكثير من المشاعر الإنسانية.
وراء الصوت الساحر… امرأة حسّاسة ومحاربة
لعلّ ما يجعل إليسا قريبة من الناس أنّها لا تبدو، في كثير من لحظاتها العفوية، امرأة تختبئ خلف صورة النجمة المكتملة. إنّها إنسانة تتأثّر وتنـفعل وتحزن، وتترك تعابير وجهها تكشف شيئاً من عالمها الداخلي.
حساسيّتها جزء من شخصيّتها الفنية. نلمسها في اختياراتها، وفي الطريقة التي تحمل بها الجملة الغنائية، وفي قدرتها على جعل المستمع يشعر بأنّها لا تؤدّي الكلمات فحسب، بل تعيشها.
ولم تكن حياتها خالية من الخسارات. فقد ترك رحيل والدها زكريا خوري أثراً عميقاً فيها، وظلّ الحنين إليه حاضراً في ذكرياتها. وبعض الخسارات لا تُقاس بمرور السنوات؛ فهناك أشخاص يرحلون عن الحياة، لكنّهم يبقون في تفاصيلنا، وفي كلماتنا، وفي الأشياء التي نتمنّى لو شاركناهم إيّاها.
كما واجهت إليسا تحدّيات صحية ومهنية، وخاضت معارك في سبيل استمرار مسيرتها وتأكيد استقلالها الفني. وفي كلّ مرحلة، كانت تعود لتثبت أنّ النجاح لا يعني ألّا نتألّم، بل أن نواصل العمل رغم الألم.
إنّها امرأة حسّاسة، نعم، لكنّها أيضاً امرأة تعرف كيف تقف من جديد، وكيف تحوّل التجربة إلى خبرة، والتحدّي إلى دافع للاستمرار.
من النجومية إلى الاستقلال… إليسا تصنع قرارها
ليس سهلاً أن يصل فنان إلى الصفوف الأولى، والأصعب أن يحافظ على مكانه سنوات طويلة في صناعة تتبدّل فيها الأذواق، وتتغيّر فيها قواعد الإنتاج والتوزيع، وتظهر فيها أسماء جديدة باستمرار.
ومع ذلك، حافظت إليسا على حضورها، ولم تكتفِ بالنجاحات التي حقّقتها. ففي عام 2022، أسّست شركتها الموسيقية الخاصة «E-Records»، في خطوة تعكس رغبتها في امتلاك مساحة أوسع لإدارة أعمالها واتّخاذ قراراتها الفنية.
وهذه الخطوة تستحقّ التوقّف عندها. فالنجمة التي صنعت اسمها أمام الجمهور قرّرت أيضاً أن تعمل خلف الكواليس، وأن تتحمّل مسؤولية مشروعها الفني، وأن تبني لنفسها طريقاً لا يتوقّف على انتظار قرارات الآخرين.
إنّها صورة المرأة التي لا تكتفي بأن تنجح ضمن منظومة قائمة، بل تسعى إلى امتلاك أدوات نجاحها. وهذا ما يهمّني أيضاً بصفتي إعلامياً مهتمّاً بقضايا المرأة وحقوقها؛ فالاستقلال المهني والقدرة على اتخاذ القرار جزء أساسي من تمكين المرأة، في الفنّ كما في سائر المهن.
وقد حصدت إليسا جوائز موسيقية عربية ودولية، من بينها جوائز «World Music Awards» في أعوام 2005 و2006 و2010، لتؤكّد أنّ حضورها تجاوز حدود لبنان والعالم العربي.
لكنّ الجائزة الأهمّ تبقى قدرتها على الحفاظ على علاقة حيّة مع جمهورها، وعلى تقديم أعمال جديدة تحمل إحساسها الخاص، وعلى البقاء في موقع متقدّم في صناعة لا ترحم من يتوقّف عن التطوّر.
في عيد ميلادها… رسالة إلى الذات وألبوم جديد
في إطلالتها الأخيرة بمناسبة عيد ميلادها، قدّمت إليسا فيديو ساحراً، لم يكن مجرّد إعلان ترويجي لألبوم جديد، بل رسالة تستحقّ التأمّل.
تحدّثت عن الركض في الحياة، وعن المقارنة بالآخرين، وعن ذلك السباق الذي قد يجعل الإنسان ينسى أن يسأل نفسه: إلى أين أذهب؟ ولماذا أركض؟ وهل أسعى إلى تحقيق حلمي، أم أحاول أن أكون نسخة ترضي الآخرين؟
والرسالة الأجمل أنّ السباق الحقيقي ليس مع الناس، بل مع أنفسنا؛ أن نتقدّم، وأن نتطوّر، وأن نتحرّر من كلّ ما يُفرض علينا، وأن نكون أكثر صدقاً مع حقيقتنا.
إنّها دعوة إلى أن نعمل ونجتهد، وأن نتعب من أجل ما نؤمن به، لكن من دون أن نفقد أنفسنا في الطريق. أن نركض وراء أحلامنا، لا لمجرّد أن نسبق الآخرين، بل لأنّ لدينا ما يستحقّ أن نحقّقه.
وما أجمل أن تأتي هذه الرسالة من امرأة عرفت معنى الاجتهاد، وخاضت تجارب صعبة، وواصلت العمل على نفسها حتى صنعت مكانتها.
وفي الفيديو نفسه، كشفت إليسا عن مشروعها الموسيقي الجديد «Album 14»، ألبومها الرابع عشر، الذي تقدّمه لجمهورها بوصفه هديةً لمن رافقوها وانتظروها وساندوها.
إنّها عودة إلى الجذور، وإلى العلاقة الأولى بين الفنان والموسيقى، وإلى ذلك الشغف الذي يدفع الإنسان إلى البدء من جديد مهما حقّق من نجاحات.
فالفنان الحقيقي لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يعود في كلّ مرحلة ليسأل نفسه: ماذا يمكنني أن أقدّم بعد؟ كيف أجدّد تجربتي؟ وكيف أحافظ على هويتي من دون أن أكرّر نفسي؟
وهذا هو التحدّي الذي تواجهه إليسا اليوم، وهذا ما يجعل انتظار ألبومها الجديد أكثر من مجرّد ترقّب لأغانٍ جديدة؛ إنّه انتظار لتجربة أخرى من فنانة اعتاد جمهورها أن يبحث في صوتها عن شيء يشبهه.
إليسا… صوت لا يشيخ في ذاكرة محبّيه
أعود إلى إليسا التي ترافقني في سيارتي، وإلى تلك اللحظات التي أشعر فيها أنّ الطريق أصبح أقصر لأنّ صوتها يرافقني، أو أطول لأنّ أغنية ما أعادتني إلى ذكرى لا أريد أن تنتهي.
كم من مرّة حملتني أغنية إلى زمن بعيد، وكم من مرّة جعلتني كلمة واحدة أبتسم أو أحزن أو أشتاق إلى شخص غاب!
إنّها قدرة نادرة على تحويل الموسيقى إلى جزء من حياتنا الشخصية. فحين تغنّي إليسا، لا نسمعها وحدها؛ نسمع أيضاً أصوات الذين أحببناهم، ونرى الأماكن التي عشنا فيها، ونستعيد أحلاماً تغيّرت، وأخرى ما زلنا ننتظر أن تتحقّق.
وهذا هو سرّ بقائها في الوجدان: أنّها لا تغنّي لتملأ الصمت فقط، بل لتقول ما يعجز القلب أحياناً عن قوله.
وفي عيد ميلادها، أجدّد إعجابي بهذه الفنانة التي اجتمع في مسيرتها الصوت الساحر، والإحساس الصادق، والقدرة على الاختيار، والإصرار على الاستمرار، والشجاعة في مواجهة التحدّيات.
كلّ عام وإليسا بخير.
كلّ عام وأنتِ، يا ابنة لبنان، صوتاً يعبر الحدود، وإحساساً يصل إلى القلوب، وامرأةً تثبت أنّ الموهبة حين تقترن بالإصرار والعمل والاستقلال تستطيع أن تصنع مسيرة تستحقّ الاحترام.
أتمنّى لكِ عاماً جديداً يليق بكلّ ما بذلتِه، وبكلّ ما حلمتِ به، وبكلّ ما لا يزال ينتظركِ من نجاحات.
أتمنّى أن يحمل ألبومكِ الجديد أغانٍ تعيش طويلاً، وأن تجدي فيه المساحة التي تشبهكِ، وأن تواصلي اختيار الكلمات والألحان التي تمنح صوتكِ تلك القدرة النادرة على اختراق القلب.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى