
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخباراتـ ألمانيا وهولندا ECCI- علي خليل ترحيني
تفرض الأزمة اللبنانية الشاملة على الفكر السياسي إعادة التفكير في المرتكزات البنيوية التي قامت عليها الدولة، وتجاوز منطق المعالجات الترقيعية التي أثبتت الأيام عقمها وتسببها في تفاقم الانهيار. إن قراءة الخارطة السياسية اللبنانية تكشف عن انسداد تاريخي حاد، حيث تتجاذب البلاد قوى طائفية ومالية ومحاور إقليمية ودولية متعددة، يحاول كل منها فرض معادلته الخاصة على حساب كرامة المواطن وسيادة المؤسسات الرسمية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتبدى ضرورة الانطلاق نحو أفق وطني جديد يقطع مع سياسات المحاصصة والتبعية، ويسعى إلى إرساء دولة القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
يتجلى المأزق الراهن في وجود تيارين أساسيين وهيمنتهما على الشارع السياسي؛ فالأول يربط مقومات الصمود بالتحالفات الإقليمية ومفهوم الردع، مبرراً تراجع الدور الاجتماعي والرعائي للدولة بحجم الضغوط الخارجية، بينما يسعى الثاني إلى ربط الخروج من الانهيار بالارتهان للمظلة الغربية والاشتراطات الخارجية، واختزال الإصلاح السياسي بإضعاف عناصر القوة الوطنية. وبين هذين المحورين، تضيع حقوق الطبقات المنتجة وتتفكك مؤسسات الدولة، وتتبدد أموال المودعين وتتراجع جودة الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والكهرباء.
تظهر الحاجة الماسة إلى بلورة خيار ثالث يُعيد الاعتبار للقضايا الوطنية الملحة بعيداً عن الاصطفافات المذهبية الحادة. إن العلة الأساسية التي أنتجت هذا التحلل تكمن في طبيعة النظام الطائفي الركيك، الذي تحول إلى مظلة لحماية نسيج من المصالح الفئوية والمالية على حساب الصالح العام. ومواجهة هذا الواقع تتطلب العمل على صياغة مشروع تغيير هيكلي يزاوج بين التمسك المطلق بالسيادة الوطنية في وجه العدو الإسرائيلي وأطماعه المستمرة، وبين الاستبسال في معركة التغيير الداخلي وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.
إن البعد السياسي لهذا المشروع ينطلق من الإيمان بأن الدفاع عن الوطن والسيادة ليس اختصاصاً حصرياً لطائفة دون غيرها، ولا يجب أن يُتخذ ذريعة لتأجيل الإصلاحات البنيوية ومحاربة الفساد. إن الدولة القوية والعادلة التي تحظى بثقة مواطنيها هي الجدار الصلب الكفيل بحماية الحدود والسلم الأهلي. ومن هنا تتضح أهمية صياغة استراتيجية دفاعية وطنية تنضوي تحت لوائها كل الطاقات الشعبية والمؤسسات العسكرية الرسمية، ليكون الجيش اللبناني هو العمود الفقري لحماية البلاد والتصدي لجميع التهديدات الخارجية التي يشكلها العدو الإسرائيلي.
على الصعيد التشريعي والمؤسساتي، يبرز الإصلاح السياسي عبر كسر القيد الطائفي الذي يُكبّل الإرادة الشعبية ويُعيد إنتاج القوى التقليدية ذاتها. إن المطالبة بقانون انتخابي يقوم على الدائرة الوطنية الواحدة والنسبية الكاملة تُعتبر الخطوة المفصلية الأولى نحو ضرب البلوكات المذهبية، وإتاحة المجال أمام الكفاءات والبرامج الوطنية بالوصول إلى الندوة البرلمانية.
يرافق ذلك تمسك صارم باستقلالية القضاء وتفعيل دوره لمكافحة الفساد ومحاسبة من تسببوا في انهيار القطاع المالي، إلى جانب سن التشريعات الصارمة التي تحظر التعامل مع العدو الإسرائيلي وتجرّم الفكر الصهيوني العنصري بأشكاله كافة، وتصون الثوابت الوطنية والقومية بعيداً عن التسويات الرخيصة.
وفي الملف الاجتماعي والاقتصادي، يتطلب الإنقاذ التخلي التام عن النهج الريعي الذي استنزف قدرات اللبنانيين لمصلحة فئة ضئيلة من المتحكمين بالمال والسياسة.
إن المواجهة الشاملة مع هذا الواقع تقضي بفرض ضريبة تصاعدية عادلة على الثروات والأرباح الكبرى، وحماية حقوق الطبقات العاملة والكادحة، ورفض كل خطط شطب الودائع أو تحميل خسائر المنظومة المصرفية لصغار المودعين الذين سُلبت مدخرات عمرهم في أكبر عملية نهب منظمة شهدها التاريخ الحديث. إن استعادة هذه الحقوق والتصدي لمحاولات حماية كبار المصرفيين يُعد حجر الزاوية في أي خطة تعافٍ مالية ذات مصداقية.
ولا يمكن للعدالة الاجتماعية أن تستقيم دون التزام صارم بحماية ودعم القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطن اليومية، وفي مقدمتها التعليم والصحة. إن المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية تشكلان ملجأ الأغلبية العظمى من الشعب ومصنع الوطنية الحقيقية العابرة للطوائف. ويشكل الاستثمار في قطاع التعليم الرسمي وزيادة ميزانياته وإنصاف هيئاته التعليمية خط دفاع أول ضد الخصخصة غير المعلنة ومحاولات تسليع المعرفة.
بالتوازي مع ذلك، تبرز ضرورة إرساء نظام تغطية صحية شاملة يدمج الصناديق الضامنة، ويؤمن الاستشفاء والدواء لكل مواطن كحق دستوري ثابت وليس كمنّة أو بطاقة خدماتية توظفها القوى السياسية لشراء الولاءات.
أمّا في القضايا السيادية والملفات المتصلة بالجوار، فإن الرؤية الوطنية الجامعة تقتضي التعاطي بأعلى درجات المسؤولية والأخوة والحرص على الاستقرار. إن التمسك بدعم الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وعلى رأسها حق العودة ورفض التوطين، يجب أن يترافق مع منح اللاجئين الفلسطينيين حقوقهم الإنسانية والاجتماعية والمدنية، بما يدعم صمودهم داخل المخيمات ويحافظ على الدور التحرري لصيدا وكل المناطق الوطنية.
وكذلك الأمر بالنسبة لملف النازحين السوريين؛ إذ يتوجب الابتعاد عن الخطابات العنصرية التحريضية التي تضر بالسلم الأهلي، والعمل على فتح قنوات التواصل المباشر بين الدولتين اللبنانية والسورية لتأمين عودة آمنة وكريمة لهم إلى ديارهم، بعيداً عن محاولات التوظيف والاستغلال السياسي الداخلي والخارجي.
يتطلب التغلب على هذه التحديات الجسيمة تجاوز حالة التشتت التي تعاني منها القوى التغييرية واليسارية والقومية والوطنية. إن الدرس الأساسي من التحركات الشعبية التي شهدها لبنان يُظهر أن التغيير لا يمكن أن يتحقق بالرهان على عواطف الشارع وحدها، ولا بالشعارات العائمة، بل عبر بناء جبهة سياسية عريضة ومتماسكة تمتلك رؤية إنقاذية واضحة ومبرمجة، وتتجاوز الحسابات الفئوية والانتخابية الضيقة، لتشكل البديل الجاهز والموثوق لقيادة مرحلة الانتعاش الوطني.
تُوجّج هذه الرؤية الشاملة وهذا المشروع التغييري مسيرة نضالية طويلة خاضها الدكتور أسامة سعد، مكملاً بها مسيرة الشهيدين معروف سعد ومصطفى سعد في انحيازهما المطلق لقضايا الناس وحقوق الفقراء والكادحين، ومكرساً نموذجاً سياسياً استثنائياً جمع فيه بين صلابة الموقف في الندوة البرلمانية والالتحام المباشر مع الناس في الشارع. إن مقترحات القوانين التي تقدم بها والنضالات الميدانية التي قادها في صيدا وكل لبنان لم تكن مجرد ردود أفعال ظرفية، بل تبلور مساراً وطنياً يضع كرامة المواطن والسيادة فوق كل اعتبار.
إن الخروج من الدوامة اللبنانية الراهنة لا يمر عبر الاستسلام للمحاور الإقليمية أو الخضوع للإملاءات الدولية، ولا عبر استمرار الارتهان لمنظومة المحاصصة الطائفية والمالية، بل إن التمسك بمقاومة الاحتلال ومواجهة خطط العدو الإسرائيلي يكتسب قوته الحقيقية عندما يستند إلى دولة عادلة، وقضاء مستقل، واقتصاد منتج يحمي الفئات الشعبية، ومؤسسات رسمية صلبة تضمن للجميع عيشاً كريماً تحت سقف القانون والعدالة.




