
س: أستاذ جورج، أهلاً وسهلاً فيك. بدايةً، كيف تصف لنا واقع التعليم الخاص في لبنان اليوم؟
ج: أهلاً فيكِ، وأهلاً بكل من يحمل همّ التربية في هذا الوطن.
واقع التعليم الخاص اليوم يشبه واقع لبنان نفسه؛ قطاعٌ يقاوم الانهيار، ومدارس تحاول أن تستمر، وأساتذة يحملون رسالتهم على أكتافهم رغم ثقل الحياة، وأهلٌ يكافحون للحفاظ على حق أولادهم في تعليمٍ لائق.
لكنني أريد أن أقول شيئاً أساسياً: التعليم لا يستطيع أن يبقى قائماً على صبر المعلم وحده.
المعلم ليس بطلاً يُطلب منه أن يضحّي إلى ما لا نهاية، وليس رقماً في موازنة، ولا موظفاً يمكن تأجيل حقوقه عاماً بعد عام. المعلم هو الركيزة التي يقف عليها البناء التربوي كله.
إذا أردنا مدرسة قوية، فعلينا أن نملك معلماً قوياً. وإذا أردنا جيلاً يؤمن بلبنان، فعلينا أن نحمي من يزرع في هذا الجيل العلم والقيم والانتماء.
س: وماذا عن الوضع المعيشي للأساتذة؟ هل يستطيع الأستاذ اليوم أن يعيش بكرامة من مهنته؟
ج: السؤال مؤلم لأن الجواب واضح.
المعلم اللبناني أمضى سنوات طويلة يعطي أكثر مما يأخذ، ويصبر أكثر مما يُحتمل، ويعمل في ظروف كان يمكن أن تدفع كثيرين إلى ترك المهنة.
نحن نطالب بأمر بسيط جداً، لكنه في لبنان أصبح يبدو وكأنه مطلب استثنائي: أن يعيش المعلم من مهنته بكرامة.
نريد أجوراً عادلة، وضمانات اجتماعية وصحية، وتعويضات تحميه، وتقاعداً يحفظ كرامته بعد سنوات العطاء، وتصحيحاً عادلاً للرواتب بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، وتأمين حقوقه القانونية والنقابية، والأهم أن يكون للأستاذ صوت حقيقي في كل قرار يمسّ مستقبله.
لا نريد حقوقاً تُعطى للمعلم كمنّة من أحد.
الحق الذي يأتي من القانون والعدالة ليس منّة، والكرامة ليست مكرمة.
س: لكن الأستاذ اللبناني ناضل طويلاً من أجل حقوقه. أين أصبح هذا النضال اليوم؟
ج: نضال المعلمين في لبنان ليس وليد اليوم.
المعلمون خاضوا معارك طويلة من أجل سلسلة الرتب والرواتب، ومن أجل صندوق التعاضد، ومن أجل ضماناتهم الاجتماعية، ومن أجل تحسين شروط العمل، ومن أجل حماية قيمة التعليم ومكانة المهنة.
لكن المشكلة أن كل إنجاز كان يحتاج إلى معركة جديدة كي يبقى قائماً.
وأنا أؤمن أن المعركة النقابية لا يجب أن تكون موسمية، ولا يجب أن تظهر فقط عندما تقترب الانتخابات.
النقابة الحقيقية تُقاس بوجودها إلى جانب الأستاذ في الأيام العادية قبل الأيام الصعبة.
نحن نريد نقابة تسمع الأستاذ عندما يصرخ، وتتابعه عندما يطالب، وتحاوره عندما يختلف، وتحميه عندما يُظلم، وتفاوض باسمه عندما تُبحث حقوقه.
س: هناك من يقول إن الأزمة لم تعد أزمة رواتب فقط، بل أزمة ثقة بين الأستاذ والمؤسسات النقابية. هل توافق؟
ج: بالتأكيد.
الأستاذ لا يريد أن يسمع كلاماً جميلاً فقط؛ يريد أن يرى نتائج.
الثقة تُبنى عندما يشعر المعلم أن النقابة موجودة معه، وأن صوته يصل، وأن قراره يُحترم، وأن من يمثله لا يتذكره فقط عند صناديق الاقتراع.
نحن نريد أن نعيد بناء هذه العلاقة على أساس واضح:
الأستاذ ليس تابعاً للنقابة؛ الأستاذ هو صاحب النقابة.
والنقابة ليست سلطة فوق المعلمين، بل أمانة في خدمتهم.
س: عشية الانتخابات النقابية، ماذا فعلت دائرة التعليم الخاص في مصلحة المعلمين في القوات اللبنانية؟
ج: لم ننتظر الانتخابات حتى نبدأ العمل.
نحن نظّمنا خلوة خاصة بدائرة التعليم الخاص، وكان هدفها أن ننتقل من ردّات الفعل إلى العمل المنظم، ومن الكلام العام إلى مشروع واضح.
وقد صدرت عن الخلوة مقررات وتوصيات شكّلت بالنسبة إلينا خارطة طريق للمرحلة المقبلة.
واليوم نعمل على أكثر من مستوى: نتابع التواصل المباشر مع الأساتذة، نسمع همومهم وشكاواهم، نرصد المشاكل التي يواجهونها، وننظم سلسلة محاضرات وبرامج للتدريب النقابي، لأننا نؤمن أن العمل النقابي يحتاج إلى معرفة وثقافة وكفاءة، وليس فقط إلى الحماسة.
ونحن نعمل أيضاً على إشراك الأستاذ في صناعة القرار.
لا نريد أن نتحدث باسم المعلمين من دونهم؛ نريد أن يتحدث المعلمون معنا، وأن يكونوا شركاء في القرار.
س: ماذا تقصدون بالتدريب النقابي؟
ج: نريد أن نُخرج العمل النقابي من مفهوم ردّ الفعل إلى مفهوم المؤسسة.
المعلم الذي يريد أن يدافع عن حقه يجب أن يعرف القانون، وأن يعرف حقوقه وواجباته، وأن يعرف كيف يتفاوض، وكيف يخاطب الإدارة، وكيف يتعامل مع الأزمات، وكيف يمارس دوره النقابي بمسؤولية.
نحن لا نريد نقابياً يرفع الصوت فقط؛ نريد نقابياً يعرف ماذا يقول، ومتى يقول، وكيف يحوّل المطالبة إلى إنجاز.
س: وهل لديكم برنامج واضح تسعون إلى تحقيقه؟
ج: البرنامج هو أولويتنا، ونحن نعمل عليه بجدية.
نحن في حزب القوات اللبنانية لا ننظر إلى العمل السياسي والنقابي كوسيلة للوصول إلى السلطة من أجل السلطة، ولا إلى المراكز كغاية بحد ذاتها.
الموقع بالنسبة إلينا مسؤولية، والتمثيل تكليف، والسلطة التي لا تتحول إلى خدمة تفقد معناها.
نحن ننطلق من عقيدة واضحة: لبنان دولة، والمؤسسات يجب أن تكون قوية، والمواطن يجب أن يكون مصان الكرامة، والتربية ليست قطاعاً ثانوياً بل هي أساس بناء الإنسان والدولة.
ولهذا فإن أي مشروع نقابي نحمله يجب أن يصب أولاً وأخيراً في مصلحة المعلم، والمدرسة، والطالب، والعملية التربوية.
س: البعض قد يقول إن كلامك هذا يحمل موقفاً حزبياً واضحاً.
ج: أنا لا أخفي انتمائي، ولا أرى في الإيمان بالقضية عيباً.
أنا أفتخر بانتمائي إلى حزب القوات اللبنانية لأنني أؤمن بمشروعه للبنان، وبفكرة الدولة، وبالسيادة، وبالمؤسسات، وبأن لبنان يجب أن يكون سيد قراره.
لكن عندما أكون في موقع نقابي، فأنا أتعامل مع المعلم أولاً كمعلم.
حقوق الأستاذ لا تسأل عن لون سياسي، وكرامة المعلم لا تحتاج إلى بطاقة حزبية.
نحن نريد أن نكون في خدمة كل أستاذ يؤمن بأن النقابة مساحة لحماية الحقوق وبناء مستقبل أفضل للتربية.
س: هل لديكم مرشح لحزب القوات اللبنانية لمنصب نقيب المعلمين؟
ج: أكثر ما يهمنا اليوم ليس الاسم، بل المشروع.
نحن نريد تغييراً جذرياً في العمل النقابي، ونريد تأسيس علاقة أقوى وأمتن بين النقابة والمعلمين، ونريد برنامجاً يعيد للأستاذ هيبته وكرامته، ويضع حقوقه المعيشية والاجتماعية في صلب العمل النقابي.
الاسم يأتي في سياق المشروع، وليس المشروع في خدمة الاسم.
س: لكن هذا يعني أن للقوات اللبنانية مرشحاً لمنصب النقيب؟
ج: أقولها بكل وضوح: إذا كان هناك نقيب قواتي، فتأكدي أن النهوض آتٍ.
لأننا لا نريد نقيباً يجلس خلف مكتبه وينتظر أن يأتي المعلم إليه.
نريد نقيباً ينزل إلى الناس، يسمعهم، يتواصل معهم، يعرف مدارسهم ومشاكلهم، ويضع النقابة في خدمة المعلم.
نريد نقابة تتحرك عندما يتألم الأستاذ، لا نقابة تكتفي بوصف الألم.
وأؤكد أيضاً: لا مساومة على حقوق الأساتذة، ولا مساومة على كرامتهم.
س: هل أنت شخصياً مرشح لمنصب نقيب المعلمين؟
ج: أنا مناضل من أجل حقوق الأساتذة، وهذه الصفة بالنسبة إليّ أهم من أي منصب.
أما القرار، فلست أنا من يقرره.
في حزب القوات اللبنانية قيادة تملك المعطيات كافة، وتعرف حاجات المرحلة، وتملك القدرة على اختيار الشخص الأكثر كفاءة لخدمة المشروع.
أنا أؤمن أن الموقع لا يصنع الإنسان، بل الإنسان هو الذي يعطي الموقع قيمته.
س: ما هي أبرز الحقوق التي تعتبرونها أولوية للمعلمين اليوم؟
ج: الأولوية هي أن نستعيد للمعلم إحساسه بالأمان.
نريد أجراً عادلاً يحفظ القدرة الشرائية، وضماناً صحياً واجتماعياً فعلياً، وتعويضات عادلة، وتقاعداً لائقاً، وحماية قانونية، واحتراماً لساعات العمل، ووضوحاً في العقود والحقوق، وحمايةً للأستاذ من أي تعسف.
ونريد أيضاً أن نعيد الاعتبار إلى هيبة المهنة.
فالمعلم لا يحتاج فقط إلى زيادة راتب؛ يحتاج إلى أن يشعر أن المجتمع يحترم المهنة التي يمارسها.
هناك فرق بين أن نُبقي المعلم في الصف، وبين أن نجعله يشعر بالفخر لأنه معلم.
س: ماذا تقول للأساتذة عشية الانتخابات النقابية؟
ج: أقول لهم:
لا تتخلوا عن دوركم، لأنكم إذا تخليتم عن دوركم، تخليتم عن حقوقكم.
الانتخابات ليست يوماً نضع فيه ورقة في صندوق ثم نعود إلى منازلنا.
هي لحظة مسؤولية، لأن من نختاره اليوم قد يكون هو من يتحدث باسمنا غداً.
اختاروا من يعرف وجعكم، من يملك مشروعاً، من يملك الجرأة على المواجهة، ومن يملك القدرة على تحويل الكلام إلى عمل.
واعلموا جيداً:
النقابة ليست ملكاً لمن يتولاها؛ النقابة ملك للمعلمين، وملاذهم الأول والأخير.
فكونوا حاضرين، وكونوا شركاء، ولا تسمحوا لأحد أن يتخذ القرار عنكم.
س: وماذا تقول لإدارات المدارس الخاصة؟
ج: أقول لهم إننا كنا معكم في السراء والضراء، ولم نتخلَّ عن رسالتنا التربوية، وسنبقى إلى جانب المدرسة لأنها شريك أساسي في بناء لبنان.
لكن المدرسة القوية تحتاج إلى معلم قوي.
ولا يمكن أن نطلب من الأستاذ أن يعطي أفضل ما عنده، وأن نحافظ في الوقت نفسه على مؤسسة تربوية قوية، إذا كان المعلم يعيش القلق على مستقبله وكرامته.
لذلك أقول لإدارات المدارس:
كونوا إلى جانب الأساتذة في السراء والضراء كما كنا نحن إلى جانبكم.
احموا معلمكم، تحمي مدرستكم.
احفظوا كرامته، يحفظ رسالتكم.
وأنا أؤمن أن العلاقة بين الإدارة والمعلم لا يجب أن تكون علاقة خصومة، بل علاقة شراكة؛ لأن الطرفين في النهاية يحملان رسالة واحدة: بناء الإنسان.
س: كلمة أخيرة للبنانيين، وللمعلمين تحديداً؟
ج: أقول إن لبنان لا يُبنى فقط بالطرقات والجسور والمؤسسات، بل يُبنى أولاً بالإنسان.
والإنسان الذي نريد بناءه في لبنان، هناك معلم يقف كل صباح أمامه ليصنعه.
لذلك فإن الدفاع عن المعلم ليس مطلباً فئوياً؛ إنه دفاع عن مستقبل الوطن.
أنا مؤمن أن التربية هي خط الدفاع الأول عن لبنان، وأن المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل معنى الوطن قبل أن يحفظ اسمه في كتاب.
ولهذا سنبقى نعمل.
قد نختلف في السياسة، وقد نختلف في النقابة، وقد تختلف الخيارات، لكن لا يجوز أن نختلف على حقيقة واحدة:
لا وطن قوياً من دون مدرسة قوية، ولا مدرسة قوية من دون معلم كريم، ولا معلم كريم من دون نقابة تعرف أن كرامته ليست شعاراً انتخابياً، بل قضية وطنية.
وفي القوات اللبنانية، بالنسبة إلينا، القضية ليست مقعداً ولا منصباً.
القضية هي لبنان الذي نؤمن به: دولةً سيدة، ومؤسساتٍ قوية، وتربيةً تبني الإنسان، ومعلمًا يعيش من مهنته مرفوع الرأس.
وهذا هو لبنان الذي نستحق أن نناضل من أجله.




