
في فوضى المحللين العباقرة في لبنان، يحتار المرء من أين يبدأ في توصيف هذه المهزلة المسماة “دولة”. فمنذ فجر تكوينها، ورغم الإرث الثقافي والفكري، والغنى البشري والعمراني والأدبي والسياسي الذي تميّز به أبناء الأرز، بقيت أزمة عميقة ومتجذرة ترافق هذا الكيان، تتمثل في عجز الدولة عن احتضان أبنائها من أصحاب الفكر والعلم والثقافة والرسالة.
في لبنان، يكاد “المخبر” لدى حزب سياسي يساوي عشرات الباحثين والمفكرين وأصحاب الكفاءة الذين نذروا أعمارهم للتحصيل والبناء. أما الدولة، التي تحولت إلى مجموعة أحزاب تتلطّى بالطوائف وتستثمر في الانقسامات، فقد باتت عاجزة عن تأمين مساحة تليق بأبنائها؛ أولئك الذين تعلموا في أصعب الظروف، وتحملوا الويلات، مؤمنين بأن الأمل آتٍ، رغم يقينهم في أعماقهم بأن هذا الأمل لن يولد من القوى والتيارات التي كانت، ولا تزال، أصل المشكلة.
يكفي أن تتحدث مع الشباب اللبناني، ومع الناس على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم وانتماءاتهم الفكرية، لتدرك أن الحلم المشترك لم يعد وظيفة أو مشروعًا أو إصلاحًا، بل أصبح تذكرة عبور وسفر، حتى لو كانت إلى جزيرة مجهولة. فالمهم أن تكون أرضًا تؤمن الحد الأدنى من الكرامة، وتحمي الإنسان من قسوة العيش في وطنٍ سرق مدخرات أهله، واستنزف طاقاتهم، وأهدر فرصهم، ثم تركهم يواجهون المجهول.
ولا تبدو الأرقام بعيدة عن هذا الواقع. فتقديرات البنك الدولي تشير إلى أن الفقر بين اللبنانيين بقي مرتفعًا جدًا خلال عام 2025، بعدما بلغ ذروته في عام 2024، مع تحسن محدود لا يزال بعيدًا عن مستويات ما قبل الأزمة. كما انخفضت نسبة انعدام الأمن الغذائي من نحو 24 في المئة في أواخر عام 2024 إلى قرابة 13 في المئة مطلع عام 2026، إلا أنها لا تزال أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية.
أما الهجرة، فلا تزال الوجه الآخر للأزمة. ورغم غياب رقم رسمي موحد لعدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد في السنوات الأخيرة، تُظهر بيانات البنك الدولي أن صافي الهجرة في لبنان خلال عام 2025 بلغ نحو 10,230 شخصًا بالسالب، ما يعني أن عدد المغادرين فاق عدد الوافدين بهذا المقدار. وتجمع تقديرات الخبراء على أن نزيف الهجرة، ولا سيما بين الشباب وأصحاب الكفاءات، مستمر منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019.
وعندما تصبح الهجرة مشروع حياة، ويغدو الوطن محطة انتظار لا محطة استقرار، فالمشكلة لم تعد اقتصادية فحسب، بل وجودية أيضًا. عندها، لا يعود السؤال: لماذا يهاجر اللبناني؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا بقي ليقنعه بالبقاء في جمهورية بات كثيرون يشعرون بأنها… مجهولة؟


