لبنان .. بين هدنةٍ مؤقتة واختبارٍ مصيري: مفاوضات على حافة التناقضات

بقلم الدكتور محمد حلاوي

بين إعلان الهدنة قبل أيام وتمديدها الأخير، تبدّلت لغة الخطاب السياسي في العمق قبل الشكل. فقد استيقظ اللبنانيون على إيقاع إعلان البيت الأبيض تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، مقروناً بإطلاق مسار مفاوضات مباشرة. هذا الإعلان يحمل دلالات تتجاوز توقيته التقني، ليضع لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الحسابات الدولية الكبرى مع الانقسامات الداخلية الحادة.

التحول في المقاربة الأميركية: من الحسم إلى “الواقعية الحذرة”

لم يكن صدور الإعلان على لسان دونالد ترامب شخصياً تفصيلاً عابراً، فرغم طبيعة الاجتماع الدبلوماسية، إلا أن حضور الرئيس الأميركي عكس ثقلاً استثنائياً للملف. ومع ذلك، كشف هذا الحضور عن تحول في المقاربة؛ فبعد الحديث الواثق عن اتصال وشيك بين بعبدا وتل أبيب، تراجعت اللهجة من التأكيد المطلق إلى “التمنّي والاعتقاد”. يشير هذا التبدل إلى إدراك واشنطن المتأخر لتعقيدات الملف اللبناني الذي طالما عُومل كملحق لتسويات إقليمية لا كساحة مستقلة بحد ذاتها.

البعد الإقليمي: لبنان في مهب “مقايضات” الخارج

يتضح أن الاهتمام الأميركي الراهن يهدف بالدرجة الأولى إلى فصل المسار اللبناني عن المفاوضات مع إيران، سعياً لتحقيق “منجز سياسي” يعوض غياب الحسم العسكري المطلق. في هذا السياق، يتحول لبنان إلى ورقة تفاوضية مرتبطة بملفات عابرة للحدود، بدءاً من توازنات السلاح وصولاً إلى ما يجري في كواليس المفاوضات الإقليمية الكبرى في إسلام آباد، حيث تلعب القوى الكبرى على تناقضات الساحة اللبنانية لتأمين مكاسبها الخاصة.

شبكة الشروط: عوامل النجاح والتعثر

إن نجاح هذا المسار التفاوضي لا يتوقف على الإرادة المحلية وحدها، بل يرهنه مثلث من القوى:
المسار الإقليمي: حيث ينعكس أي تقدم في المفاوضات الإقليمية الكبرى في إسلام آباد برداً أو سلاماً على الداخل اللبناني.
الدور الأوروبي: المحاولات الفرنسية المستمرة لتعزيز الحضور الأوروبي، تزامناً مع القلق من مصير مهمة “اليونيفيل”.
المظلة العربية: التحركات الدبلوماسية العربية النشطة في بيروت التي تسعى لتأمين غطاء سياسي – قمة بيروت 2002- ومالي — اعادة الإعمار— لأي تسوية محتملة، لضمان عدم انزلاق البلاد نحو الانهيار الشامل.

المعضلة الداخلية: الانقسام كعائق بنيوي

يبقى العامل الداخلي هو الحلقة الأضعف والأخطر في آن واحد، نظراً لعدة اعتبارات:
1- الانقسام العمودي: الخلاف حول مفاهيم “المقاومة والسيادة” لم يعد سياسياً فحسب، بل تحول إلى شرخ ثقافي ووجودي يهدد السلم الأهلي.
2- غياب أوراق القوة: في مقابل امتلاك الطرف الآخر للأرض والتفوق العسكري، تفتقر الدولة اللبنانية إلى منجزات تفاوضية ملموسة تمنحها القدرة على فرض شروطها.
3- ازدواجية القرار: تجد الدولة نفسها في موقف حرج؛ فهي تفاوض على ملفات سيادية لا تملك السيطرة الكاملة على أدواتها الميدانية، —السلاح— مما يجعلها في مسار (متصادم) مع القوى الفاعلة على الأرض.

الموقف الرسمي بين السقوف المرتفعة والواقع المر
بين خطاب وزير الخارجية يوسف رجي الطامح لاستعادة القرار السيادي، وسقوف رئيس الحكومة نواف سلام المتمثلة بالانسحاب الكامل ورفض المناطق العازلة، تبدو الشروط اللبنانية مشروعة قانوناً لكنها تصطدم بواقع ميداني صلب. فإسرائيل، التي تتحرك بعقلية “المنتصر”، تبدو أقل استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، خاصة لا يضمن لها تفوقاً أمنياً دائماً.

الموقف الإسرائيلي: عقيدة الأرض وميزان القوة

تبدو فرص التوصل إلى اتفاق متوازن محدودة، في ظل عدة عوامل:
– اعتبار إسرائيل نفسها منتصرة، ما يقلل من استعدادها لتقديم تنازلات.
– ⁠حديث بنيامين نتنياهو المتكرر عن “شرق أوسط جديد”، بما يحمله من دلالات توسعية.
– ⁠ترسّخ “عقيدة الأرض” في الوعي الإسرائيلي، وهي العقيدة التي شكّلت خلفية اغتيال إسحاق رابين بعد توقيعه اتفاق اتفاقية أوسلو.

17 أيار.. تاريخ يعيد طرح الأسئلة الصعبة

يقف لبنان اليوم في محطة تشبه إلى حد بعيد تجربة 17 أيار 1983، وإن اختلفت الأدوات واللاعبون. إن مهلة الأسابيع الثلاثة التي تنتهي أيضا في 17 أيار 2026 ليست مجرد تمديد تقني للهدنة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على توحيد قرارها والتفاوض ككيان واحد لا كأطراف متصارعة.
بين الرغبة الأميركية والتشدد الإسرائيلي والتمزق الداخلي، يظل السؤال: هل تكون هذه الهدنة جسراً لتسوية تاريخية تعيد بناء الدولة، أم مجرد استراحة محارب في مسار طويل من الانتظار اللبناني المرير؟

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى