تحت قبة البرلمان: موازنة تتجاهل “جوع الكرامة” وأوجاع المواطنين

بقلم: باسم المصري

بينما تتردد أصداء النقاشات الصاخبة تحت قبة البرلمان حول إقرار الموازنة العامة، يبدو المشهد وكأنه مسرحية مكررة، أبطالها نواب يتحدثون باسم الشعب، ونصّها أرقام مالية منفصلة عن واقع مرير. وفي خضم هذا الجدل، يبرز صوت الحقيقة الذي لا يُسمع في القاعات الرسمية: جوع اللبنانيين ليس جوعاً للخبز فحسب، بل هو تعطش للكرامة، وتوق إلى استعادة الحقوق المسلوبة، وشوق إلى وطن يحترم أبناءه.

جوع الكرامة.. لا جوع البطون،
فمن السهل على أي مسؤول أن يختزل معاناة الشعب في لقمة العيش، فيتحدث عن “الجوع” بمعناه الحرفي، ليقدم نفسه كمنقذ يوفر الفتات. لكن الحقيقة أعمق وأكثر إيلاماً. الشعب اللبناني لم يصل إلى مرحلة المجاعة الغذائية، بل وصل إلى مجاعة الكرامة الإنسانية. إنه “جائع” لرؤية مدخراته التي سُرقت تعود إليه، “جائع” للحصول على طبابة لائقة دون أن يبيع ممتلكاته، “جائع” لتعليم جيد لأبنائه، و”جائع” لدولة تحميه في شيخوخته بدلاً من أن تتركه فريسة للعوز والمرض. الحديث عن جوع البطون هو تبسيط مخلّ ومحاولة لتشتيت الانتباه عن جوهر الأزمة: انهيار منظومة الحقوق والعدالة.

في ظل أزمة مالية ونقدية هي الأعتى في تاريخ البلاد، كان من المتوقع أن تكون الموازنة خطة إنقاذ طارئة، تحمل في طياتها حلولاً جذرية. لكن ما نراه اليوم هو موازنة خجولة، تتجاهل بشكل ممنهج الجروح الأكثر نزفاً في جسد الوطن. وهنا، تنهال الأسئلة المشروعة التي لا تجد جواباً:

أين حل مشكلة المودعين؟
كيف يمكن إقرار موازنة لدولة أعلن مصرفها المركزي إفلاسه عملياً، دون أن تتضمن بنداً واحداً واضحاً ومجدولاً زمنياً لإعادة أموال الناس؟ إن تجاهل هذه القضية هو إمعان في جريمة سرقة العصر.

أين حقوق المتقاعدين والمعلمين؟
ماذا عن الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية الذين أفنوا سنوات في خدمة الأجيال القادمة بأجور زهيدة وبلا أي ضمانات؟ وماذا عن عناصر الجيش المتقاعدين الذين دافعوا عن الوطن واليوم يجدون تعويضاتهم قد تبخرت قيمتها؟ الموازنة صامتة عنهم.

أين الحل لأزمة الاستشفاء والصناديق الضامنة؟
فواتير المستشفيات الباهظة تحولت إلى كابوس يطارد كل أسرة. الصناديق الضامنة، من الضمان الاجتماعي إلى تعاونية موظفي الدولة، تحتضر. فأين الخطة لإعادة هيكلتها وتفعيلها لتؤدي دورها في حماية المواطنين؟

أين رؤية المستقبل؟
لا يمكن بناء دولة بالحلول المؤقتة والمسكنات. هذه الموازنة تفتقر إلى أي رؤية اقتصادية طويلة الأمد. أين بنود تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية؟ أين السياسات الجاذبة لأموال المغتربين؟ ما هي خططكم لإنهاض قطاع السياحة الذي كان يوماً نفط لبنان؟

ذر الرماد في العيون.. تكتيك انتخابي مفضوح، فإن تقديم موازنة بهذا الشكل الهزيل ليس مجرد فشل تقني، بل هو قرار سياسي مدروس. إنه أشبه بـ “ذر الرماد في العيون”، عملية تخدير مؤقتة تهدف إلى إيهام الناس بأن الدولة لا تزال تعمل، وأن هناك من يخطط للمستقبل. الهدف الحقيقي هو تجاوز المرحلة بأقل قدر من الاضطرابات، وشراء الوقت حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، حيث يمكن للسلطة أن تعيد إنتاج نفسها عبر وعود جديدة وشعارات فارغة. إنها محاولة لإبقاء الأغلبية الساحقة من الشعب في غفلة عن حقوقها الأساسية، منشغلة بتأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية.

إلى متى؟
تغيب عن هذه الموازنة أبسط مقومات الدولة الحديثة: ضمان الشيخوخة، المعاش التقاعدي العادل، البطاقة الصحية الشاملة، ودعم التعليم الحقيقي. كل هذه الحقوق ليست ترفاً، بل هي أساس العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.

والسؤال الذي يطرحه كل لبناني موجوع، كل مودع مسروق، كل متقاعد مهان، وكل مريض على أبواب المستشفيات، لم يعد سؤالاً عن الأرقام والتفاصيل، بل أصبح صرخة وجودية مدوية: إلى متى؟ إلى متى سيستمر هذا الاستخفاف بعقول الناس وكرامتهم؟ إلى متى ستبقى الحلول غائبة والحقوق مؤجلة؟ إلى متى ستبقى الدولة متفرجة على انهيار مجتمعها؟

 

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى