
المحامي العام التمييزي اللبناني محمد صعب على وشك الانتهاء من عمليات التحقيق والاستجواب الأولية في قضية الأمير السعودي المزيف “أبو عمر”، وهي الفضيحة التي كان لها وقع الزلزال في لبنان، نظرا لأنها طالت رجال سياسة من الصف الأول، وكشفت عن هشاشة كبيرة في أدائهم السياسي.
بدأت قصة (الأمير السعودي) أبو عمر عام 2018، وهي المرحلة التي شهدت انسحاب السعودية من لبنان ومن التعاون مع الطبقة السياسية اللبنانية، وإعلان سعد الحريري، الذي يعتبر زعيما للطائفة السنية في لبنان، عن اعتزاله العمل السياسي، مما يعني أن كافة السياسيين اللبنانيين فقدوا إمكانيات الاتصال بالمملكة العربية السعودية، والدعم المالي أو السياسي الذي يمكن أن تقدمه لهم.
أمير سعودي مزيف
في هذه الظروف، ظهر “أبو عمر”، الذي تم تقديمه وتوفير الاتصال به عبر القاضي الشرعي خلدون عريمط العضو النافذ في دار الفتوى اللبنانية، والمعروف بعلاقاته القوية مع الأوساط الحاكمة في السعودية.
سوق الشيخ عريمط (الأمير) أبو عمر لدى عدد كبير من كبار الساسة اللبنانيين بما في ذلك وزراء ورؤساء حكومات سابقين، باعتباره عضو في الديوان الملكي السعودي، ومقرّب من صنّاع القرار الأساسيين في السعودية، وقادر، بالتالي، على التأثير المباشر في المسارات السياسية اللبنانية.
(الأمير) أبو عمر، لم يظهر، أبدا، بصورة مباشرة، واقتصرت محادثاته مع مختلف السياسيين اللبنانيين على اتصالات هاتفية كان الشيخ عريمط ينظمها أحيانا، عبر أرقام هاتف محمول أجنبية.
“أبو عمر” أصبح شخصية مركزية
وسريعا تحول “أبو عمر” عبر مكالماته الهاتفية إلى شخصية هامة في الحياة السياسية اللبنانية، تطالب هذا السياسي أو ذاك باتخاذ مواقف سياسية معينة من الترشيحات أو العقود التي تبرمها الدولية، وتطالبه بالتبرع لجمعية خيرية تديرها زوجة الشيخ خلدون عريمط.
ويبدو أن (الأمير المزعوم) نجح في إرساء عقد رفع مواد الخردة من ميناء بيروت، على شركة تعود إلى ابن الشيخ عريمط، ونجح في اختراق النظام المالي وتحرير ودائع كانت محتجزة في المصارف.
ويكمن الأخطر من ذلك في أن “أبو عمر” تمكن من الحصول على مئات الآلاف من الدولارات، بلغت مليون دولار من إحدى الزعمات اللبنانية و800 ألف من قيادة سياسية أخرى، إلى جانب مبالغ أخرى عديدة، مقابل وعود بدعم سعودي في الانتخابات والترشيحات، أو بدعوات لزيارة المملكة، وبرزت أسماء قيادات سياسية كبرى في هذا المجال، دون أن تقتصر على طائفة معينة، وإنما شملت عملية النصب الواسعة هذه كافة الطوائف اللبنانية.
وإن كان البعض يذهب حتى القول بأن “أبو عمر” لعب دورا في تسمية رئيس الحكومة الحالي نواف سلام بدلا من شخصيات أخرى، إلا أغلب المراقبين والمتخصصين في الشأن اللبناني ينفي أن يكون نفوذ “أبو عمر” قد بلغ هذا المستوى.
من هو “أبو عمر”؟
هو في أيدي جهاز الشرطة العسكرية وجاري التحقيق معه، واسمه ليس “أبو عمر” وإنما هو مصطفى الحسيان من منطقة عكار في الشمال اللبناني، ويعمل في مجال حدادة السيارات، ينتمي إلى وسط فقير للغاية، ولكنه يتمتع بقدرة كبيرة على تقليد اللهجات العربية، وخصوصا اللهجة السعودية، تعرف عليه الشيخ عريمط، واستخدمه لإطلاق عملية الاحتيال التاريخية هذه. ولكن يبدو أنه، شخصيا، لم يستفد كثيرا على المستوى المادي من الملايين التي جمعت.
ما دور السعودية؟
عدد قليل للغاية من السياسيين اللبنانيين ساورتهم الشكوك لدى اتصال “أبو عمر” بهم، مثل النائبة السابقة بهية الحريري، واتصلت بالسفير السعودي في بيروت وليد بخاري، الذي نفى وجود هذه الشخصية، ولكن هذه المكالمة مع السفير السعودي من قبل النائبة الحريري، ومكالمات مشابهة من سياسيين لبنانيين آخرين، تعود إلى عام ونصف أو عامين، لم تتدخل أثنائها السعودية فيما يحدث، حتى قام الموفد السعودي يزيد بن فرحان بجمع ملف حول “أبو عمر” أرسله إلى السلطات السعودية، ومن ثم إلى مخابرات الجيش اللبناني.
هذه الفترة الطويلة نسبيا، تطرح تساؤلات في لبنان حول موقف الرياض مما حدث، وهل يعود التأخير لتباينات داخل الرياض حول التعامل مع الملف اللبناني، أم أن السعوديين أرادوا الاطلاع على كيفية تصرف ومستوى رجال السياسة اللبنانيين، قبل فضح عملية الاحتيال؟
وتظهر تساؤلات أخرى عما إذا كانت قصة “أبو عمر” هي مجرد عملية احتيال محصورة، بالفعل، بين الشيخ عريمط وحداد السيارات الحسيان، أم أنها عملية أكثر تعقيدا تقف وراءها أجهزة استخباراتية أرادت التأثير في الحياة السياسية للبلاد من وراء الستار؟
المصدر مونتكارلو




