شراكة تاريخية من أجل الإنسان والأرض: عندما تتجسد الوحدة الوطنية فعلاً لا قولاً

بقلم: باسم المصري

في لحظة تاريخية فارقة، تتجاوز البروتوكول لتلامس جوهر لبنان ورسالته، كان لي الشرف في حضور توقيع اتفاقية التعاون المشترك بين مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز برعاية سماحة الشيخ الدكتور سامي ابي المنى والرهبانية اللبنانية المارونية كبارقة أمل تضيء عتمة الأزمات. هذه ليست مجرد اتفاقية، بل هي ميثاق حياة وتجديد للعهد بين مكونين أساسيين من نسيج الوطن، وتحديداً في قلبه النابض، الجبل.
في زمنٍ تشتد فيه العتمة على الوطن وتتعالى فيه أصوات الفرقة، تشرق من قلب الجبل شمس شراكة تاريخية، لا ترسم مجرد اتفاق، بل ترسم ميثاق حياة وتجديداً للعهد بين مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز والرهبانية اللبنانية المارونية. إنها بارقة أمل تخرق جدار اليأس، ورسالة بناء في زمن الانهيار.

على امتداد الوطن، وفي وجه الانقسامات التي تنهش جسده، تنهض هذه الشراكة كنموذجٍ حيّ للوحدة الحقيقية، وتثبت أن مكونات لبنان الأصيلة قادرة على أخذ زمام المبادرة وبناء جسور الثقة بمعزل عن تعقيدات السياسة. لقد طال على اللبنانيين سماع الخطابات الرنانة عن العيش المشترك، أما اليوم، فإنهم يشهدون بأم أعينهم هذا العيش وهو يُترجم فعلاً ملموساً، يتحول من حبر على ورق إلى خبز على المائدة، ومن شعار يُرفع إلى مشروع يُزرع ويُحصد. إنها شهادة على أن الحلول الحقيقية تنبع من المجتمع نفسه، حين تقرر قياداته الروحية تحصين الإنسان وتعزيز صموده.

أما في الجبل، قلب لبنان النابض وذاكرته الحية، فإن لهذه الاتفاقية وقعاً أعمق ورنيناً يتردد صداه بين وديانه وقممه. إنها التجسيد العملي لمصالحة الجبل التاريخية، تنقلها من إطارها السياسي إلى دفء الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية، لتصبح جزءاً من حياة الناس اليومية، من رزقهم وقلقهم على مستقبل أبنائهم.

فمن خلال تركيزها على التنمية، تغرس هذه الشراكة جذور الأمل في تراب الجبل، وتخلق فرصاً تبقي الشباب في أرضهم، وتدعم المزارع في حقله والحرفي في مشغله. إنها السلاح الأمضى في وجه شبح الهجرة، والدرع الحصين الذي يحمي الأرض من البيع والهوية من الضياع. كما أنها تفتح الآفاق أمام اقتصاد جبلي متكامل، حيث تتشابك الأيادي وتتبادل الخبرات، فتخلق دورة حياة اقتصادية قوية تجعل الجبل أكثر صموداً ومنعة.

إنها رسالة صامتة وبليغة لأبناء الجبل جميعاً: مصيركم واحد، وأرضكم واحدة، ونجاحكم لا يكتمل إلا معاً. هذه المبادرة ليست مجرد توقيع، بل هي زرع بذرة في أرض عطشى، وشهادة حية على أن إرادة الخير والبناء، حين تنبع من أصالة الروح وعمق التاريخ، قادرة على أن تصنع فجراً جديداً للبنان، يبزغ نوره أولاً من قمم جبله الشامخ.

إن توقيع هذه الاتفاقية بين مرجعيتين روحيتين عريقتين ليس مجرد حدث، بل هو حجر أساس لمستقبل جديد. إنه يثبت أن الأصالة والتاريخ عندما يلتقيان مع رؤية للمستقبل، يمكنهما أن يصنعا المعجزات. هذه الخطوة المباركة هي شهادة حية على أن إرادة الخير والبناء في لبنان، وفي قلبه الجبل، أقوى من كل محاولات التفرقة واليأس.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى