
تتعدد القراءات والتحليلات ومحاولة كشف الحقائق بين باحث وآخر وفقًا للرؤية والرغبة والمصادر التي ينهل منها كل باحث من الباحثين، لكن ثمة من تَوجه للبحث العلمي التاريخي الموضوعي البحت، نافضًا عنه غبار كل انتماء أو ما قد يشوّش هذا البحث. ولعل من الأمثلة الناصعة الجلية على ذلك المؤرخ اللبناني الدكتور كميل مرعب.
يقرأ د. مرعب المشهد انطلاقًا من الصراع بين الغرب والشرق واستفادة الأول من غياب وعينا بتراثنا وحضارتنا، إضافة لوجود عوامل أخرى أبرزها وجود جسم دخيل في جسد هذه الأمة ينهي وجود الشعب الفلسطيني ويعمل على إعادة تشكيل المشهد الحضاري والتاريخي. في الوقت الذي تحولت فيه الكثير من دول العالم العربي إلى مرحلة التطبيع والتعامل غير المسؤول مع هذه القضية الكبرى، وبما أن الشرق الأوسط مترابط، نرى أن الطرف الذي ساند القضية الفلسطينية لم ينتمِ لهذه المجموعة عقائديا، ومع فشله في تحقيق مشروعه، انشغل المكون الأكبر لهذا الشرق إما بإرضاء الغرب أو بشعائر “القتل المقدس”، ولا نرى أفقًا واضحًا قبل اتضاح صورة الصراع بين الشرق والغرب.
تاريخيًّا، يرى د. مرعب أن ثمة أطروحة دكتوراه للعالم الألمانيّ أيلليغ هيريبرت تقول إن هناك زمن شبحيّ يؤثر على تاريخ القرون الوسطى، وعندما نذهب للرواية العربية نرى أن الأخيرة متينة بالشكل، غير أن المصادر العربية لا تنتمي إلى القرن الأول أو الثّاني أو حتى الثّالث الهجريّ، وربطًا على كتاب ابن عبد الحكم مثلًا (يرى المحقق أن كتابه يعود لمنتصف القرن الخامس هجري)، أي أن التدوين جرى لاحقًا عند ظهور الصراعات الفكرية وتكوّن الفرق الإسلامية المختلفة.
وفي كتاب “التاريخ والتأريخ العربي تحت مجهر النقد”، أردنا أن نقدم للقارئ العربيّ حقيقة أن العرب هم أهل هذه البلاد وهم سكان أرض الشام بمجملها وهم أهل حضارة، وسكان سلطنة عُمان واليمن وهم أصحاب ممالك ، حمير وسبأ ومعين، وفي بلاد الشام هناك ملوك كندة، والمناذرة في الحيرة، والغساسنة في بصرى الشام، وملوك الأنباط في تدمر والبتراء، وملوك جبل العرب حيث يوجد أقدم نقش عربي على شاهد قبر الملك امرؤ القيس، والجزيرة المذكورة في المصادر العربية هي الجزيرة الفراتية التي تمثل أرض بني تغلب الذين تحولوا إلى حمدانيي حلب.
يتابع مرعب:” تاريخ هذه المنطقة هو تاريخ عربيّ بمجمله، والحجاز تاريخيًّا هي منطقة مهملة نتيجة الجغرافيا والمناخ، ولا نرى أن ثمة أحدًا من الخلفاء قد سكن تلك البلاد أو أي آثار واضحة تشير إلى استقرار حضاري في تلك المنطقة. واليوم يجب على القارئ الحصيف الرّصين أن ينظر لما بين سطور المعلومات التاريخية، وأن يقرأ المعلومة التاريخية بعيدًا عن المقدسات، لأن هذا الربط من شأنه أن يعيق إمكانية الذهاب للمعلومة التاريخية الصرفة الواضحة والموضوعية في آن.
وهناك يد خفية في كل التواريخ والعلوم تتدخل لنسف ما تريد، وإخفاء الحقائق عمّن تريد، ومن ينتمي إلى تلك الفرقة تحسب له الإنجازات العلمية وتُحجب عن غيره، ونقصد بهذه الفرقة فرقة جُلّاس الملوك “في كل زمان ومكان، وفقًا للسلطة الحاكمة النافذة المسيطرة اقتصاديًا وسوى ذلك”. وهناك روايات ممنهجة كثيرة دخلت في التاريخ العربي باتت بحكم المترسخة في عقل القارئ العربي يجب أن يعاد النظر بها جدّيًا، من خلال البحث الرصين الممنهج المنتقي معلوماته من مصادر مؤكدة واضحة الرؤيا والمعالم الفكرية الدقيقة، ومثال ذلك هو ما اوره ابن خلدون وابن الأثير اللذين نقدا الرواية العربية من خلال نشرهما رواية” تُبّع” الملك اليمني الذي احتل العالم بأسره.
ينهي المؤرخ اللبناني كلامه مؤكّدًا أن لا خيار ولا بصيص نور أمام اللبنانيين سوى التنافس في التعليم والثقافة والإبداع. واللبنانييون يتميزون بطابع الانفتاح على كل القوى والمشارب المختلفة والمخالفة، ونحن أبناء مجتمع واحد يجب أن نتوحد في مقاربة كل القضايا، والبحث عن الحقائق دونما حكم مسبق والخروج من ذهنية القطيع تدريجيًّا.





