مقالات واّراء

أزمة كيان

 أنيس أبي سعد

يوماً بعد يوم تتجلى مشكلة لبنان البنيوية الأساسية التي تكمن في نظامنا السياسي، قد يذهب البعض إلى المناقشة والغوص كثيراً في مشاكلنا الإقتصادية، المعيشية، الإجتماعية والنقدية التي في الحقيقة ما هي إلا نتيجة ضعف نظامنا السياسي وترهله وحاجته الماسة إلى الإصلاح. خطأ البعض القاتل يكمن في معالجة النتائج وإهمال المشكلة. إن إختلاف اللبنانيين ”التاريخي” و ”العضال” على لبنان، ما قبل وما بعد إعلان لبنان الكبير لم يعالج أبداً ونتجت عنه مراحل عدم إستقرار على مختلف المستويات وحروب بشكل شبه منتظم وإن كان على فترات زمنية متقطعة. إن تسليمنا بالحقيقة المرة يعتبر الخطوة الأولى على طريق الحل، إقرارنا بالفشل أضحى ضرورة تجعلنا  نقرر سوياً وبشكل جدي إيجاد حل يناسب الجميع.

نحن في لبنان يا إخوة مجموعات دينية، ثقافية وحضارية متناحرة تعيش في وهم جميل إسمه العيش المشترك، وهم الوطن، لبنان الجميل، لبنان الواحد، أما الواقع؟ إنتماء اللبناني بالدرجة الأولى هو للطائفة، بالدرجة الثانية لبيئته وبالدرجة الثالثة لحزبه، نعيش التقسيم ونهاجم ونكفر كل من ينادي بالتقسيم… وبكل صراحة، لكل طائفة في لبنان امتدادها الجغرافي ومناطقها، حزبها وأزلامها، مؤسساتها وجمعياتها، إعلامها وكتابها، نحن نعيش التقسيم كل يوم ولكن نرفض الإعتراف به رسمياً وإن خرق هذا الواقع الشامل بعض الأصوات الوطنية التي لم يلوثها التعصب الأعمى الطائفي بعد. يرافق كل هذا أنظمة حكم لم يتفق الشعب اللبناني عليها يوماً، تفاهمات لم تأت بالعدل يوماً بين المكونات اللبنانية، إتفاقيات جل ما فعلته هو رمي الظلم في البلاد من طائفة على طائفة أخرى، آخرها كان إتفاق الطائف، الذي يتمسك الجميع به اليوم لعدم توفر البديل أو عدم رغبتهم خوض المجهول وإن كانوا يدركون جيداً في أعماق أنفسهم أن الطائف مات ويحتاج إما تعديلاً فورياً وتطبيقاً كاملاً إما المجازفة والذهاب إلى مؤتمر تأسيسي جديد. إن لبنان بحاجة إلى الإدراك أولاً أن الطائف لم يعالج جوهر مشكلة النظام اللبناني المطروحة دائماً ومنذ الأزل،لأن الطائف ليس بحل إنما وثيقة إنهاء حرب، فيها خاسر وفيها رابح وهكذا وثائق عادةً لا تبني أوطان ولا تصلح أن تكون نموذج وطن نبنيه على أسس المواطنة وبمفاهيم متساوية وعادلة فعلياً لا على الأوراق.

أما الدولة المدنية الحلم؟ فحدث ولا حرج.. هي الأنسب وهي الحل، يمتدحها الجميع بالعلن ويعملون تحت الطاولة لإفشالها لأنها تناقض نفوذ أمراء السياسة في الداخل والإمبراطوريات الدينية اللبنانية التي تكاد لا تعرف حدوداً، من يمتلك هذه السلطة لا يناسبه أبداً قيام مفهوم المواطنة على أنقاض مفاهيم الطائفية، المذهبية، المناطقية والتبعية يرافق هذا الواقع غياب تام لأي رغبة فعلية لإيجاد حل على المستوى المحلي ورغبة إقليمية-دولية بالإبقاء على لبنان مشلولاً بحيث لا ينهار كلياً ولكن لا يسمح له بالوقوف والسير مجدداً. هذا هو واقعنا وهذا جوهر مشكلتنا، اوقفوا خوض معارك الفساد والدولار والإقتصاد والمعيشة لأنها ليست سوى نتيجة نظام سياسي فقد كل شيء واليوم يدفع بالمواطن إلى فقدان كل شيء.

إن إستحالة العبور إلى نظام سياسي جديد حالياً وقيام مؤتمر تأسيسي جديد تجبر كافة المكونات على التمسك بالطائف ولربما السعي إلى تعديله، كما تدفع بالجميع إلى تعزيز حصته ”الطائفية” في هذا النظام الطائفي البحت لنزيد بطريقة مباشرة تكريس الكيان الطائفي في الحكم، كياناً يضرب ما تبقى من لبنان.

قد نكون اليوم ندفع ثمن الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة، هذا صحيح ولكن لا يمكن لهذا وحده أن يكون سبب ما نعيشه اليوم، السبب هو نحن، السبب هو نظامنا وهذا العامل الخارجي إن وجد ليس سوى عاملاً مؤثراً يزيد الوضع تعقيداً ولا يمكن تحميله كامل المسؤولية لأننا نعيش أزمة كيان!

إلى جانب معالجة أزمة الكيان، المطلوب اليوم وبكل صراحة القليل من الإيمان بأن النموذج اللبناني في هذا الشرق قد يعاد إصلاحه، الحوار بين الجميع، الإستماع إلى هواجس ومخاوف المواطن الموجوع في الطرقات الذي لا يتحرك وفق أحقاد حزبية أو طائفية والإحتكام للقضاء اللبناني بعد تحصينه بمجموعة من القوانين التي تضمن إستقلاليته كي يتمكن من لعب دوره ليس فقط بموضوع الفساد بل عند كل محطات الدولة الفاصلة ليكون القضاء عاملاً أساسياً نبني عليه معالجة النتائج المترتبة عن أزمة النظام التي نعيشها.

الوسوم

أخبار ذات صلة

إغلاق
إغلاق

Facebook